وبرغم ما في هجمة أتاتورك وجنايته على الإسلام من الضراوة والقسوة والشراسة _ فإن جناية علي عبدالرازق في كتابه (الإسلام وأصول الحكم) أشد وأخطر؛ ذلك أن صنيع أتاتورك ردة صريحة، وخروج على الإسلام بقوة السلطان؛ فلا يكون لها أثر إلا بقدر بقاء القوة.
أما صنيع علي عبدالرازق فقد كان محاولة للتغيير في أصول الإسلام، ومسلماته.
وهذا _ بلا ريب _ يفعل فعله، ويمتد أثره؛ ليصبح هو التفسير الصحيح لعلاقة الإسلام بالسياسة والحكم.
وحينئذ توصد الأبواب _ لو قُدِّر لهذه المحاولة أن تنجح _ في وجه الإسلام، ويُحال بينه وبين القيادة والتوجيه لحياة الأمة المسلمة.
لقد كان كتاب علي عبدالرازق أول كتاب يقدمه رجل ينتمي إلى الإسلام، بل والعلم والقضاء معلنًا عن نفسه بلا مواربة، مقدمًا فيه الفكر العلماني في جرأة لا تعرف الحياء ولا الخجل.
ولم تكن كتابته مجرد فقرة قصيرة أو طويلة، بل ولم تكن مجرد مقال طويل يُنشر في إحدى الصحف.
وإنما كان كتابًا كاملًا يعرض منهجًا كليًا في معرفة الإسلام، وعلاقته بالحكم.
ومما يحسن التنبيه عليه أن الحكومة الكمالية حين ألغت الخلافة العثمانية سنة 1924م _ أصدر المجلس الوطني التركي رسالة شرح فيها وجهة نظر في إلغاء الخلافة.
إلا أن الرأي العام في العالم الإسلامي لم يقابل هذا العمل بالارتياح، بل أخذ بعض مفكري وعلماء الإسلام يتطارحون الرأي في إقامة الخلافة الإسلامية.
أما الرسالة التي أصدرها المجلس التركي فقد كانت بعنوان (الإسلام وسلطة الأمة) أو (الخلافة وسلطة الأمة) .
وقد تُرجمت إلى العربية، وطُبعت بمطبعة المقتطف بمصر سنة 1924م.
وبعد صدور هذا الكتاب سنة 1925م أصدر علي عبدالرازق كتابه المذكور، وكان حينئذ قاضيًا بمحكمة المنصورة الشرعية الابتدائية.
ويُلاحظ أن بين اسمي الكتاب ومضمونهما تشابهًا، إلا أن الكتاب الأول لم يبلغ ما بلغه كتاب علي عبدالرازق من القدح في علاقة الإسلام بالسياسة.