الصفحة 109 من 220

وبترشيد نفقاتها من جهة أخري والحاجة التي تبقي بعد ذلك يجوز الاقتراض لها بقدر ما يدفعها [1] .

وفي ذلك يقول القاضيان الماوردي وأبو يعلي لو اجتمع علي بيت المال حقان ضاق عنهما واتسع لأحدهما وكان لولي الأمر إذا خاف الضرر والفساد أن يقترض علي بيت المال فيما يكون منهما ضروريًا [2] ويقول الإمام الجويني"أجوز الإستقراض عند اقتضاء الحال وانقطاع الأموال ومصير الأمر إلي منتهي يغلب الظن فيه استيعاب الحوادث لما يتجدد في الاستقبال" [3] .

وبالنظر إلي الدول العربية فإنه يتضح أنها سمحت لنفسها الاقتراض بالربا وهي بهذا اقترفت إثمًا كبير وجريمة نكري حرمها الله في القرآن الكريم فقال تعالي: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} (البقرة آية 275) ، وجعله رسوله صلي الله عليه وسلم من السبع الموبقات فقال صلي الله عليه وسلم:"اجتنبوا السبع الموبقات وذكر منها أكل الربا [4] بل أنه تعالي حرم الربا علي اليهود وجعل أكله سببًا لتحريم الطيبات عليهم قال تعالي: {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (160) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ .... } (النساء آية 160 - 161) ."

ورغم أن الأدلة السابقة تدل دلالة قطعية علي حرمه الربا في شريعة الإسلام وهذا وحدة كاف لإبعاد أي تضليل أو تأويل ورغم أننا لسنا بحاجة إلي مناقشة أطول لما حسمته المجامع والندوات والمؤتمرات الإسلامية إذ أنه لا طائل وراء ذلك إلا أنه يجدر بنا أن نشير في هذا الصدد إلي ما جاء في قرارات المؤتمر الثاني لمجمع البحوث الإسلامية بالأزهر التي من خلالها دحضت كل الشبهات التي يثيرها بعض المغرضين وأصحاب الهوى من أن الربا المحرم في الإسلام يقتصر علي ربا القروض الاستهلاكية دون الربا القروض الإنتاجية. حيث قرر المؤتمر أن الفائدة علي أنواع القروض كلها ربا محرم لا فرق بين ما يسمي بالقرض الاستهلاكي وما يسمي بالقرض الإنتاجي لأن نصوص المؤتمر كذلك أن الإقراض بالربا محرم لا يرفع إثمه إلا ضرورة حفظ النفس أو الدين أو ما إليهما [5] .

والسؤال الذي يطرح نفسه هو ماذا جنت هذه الدول من اقترافها معصية الربا المحرم في الإسلام؟

النتيجة كما هي واضحة للعيان أن أصبحت تلك الدول تتلظي بنيران الديون الربوية (القروض الربوية) تبحث عن باب النجاة بعد ما فاقت من سباتها علي نزيف من الديون لا تستطيع إيقافه بفعل ما اقترضته بعض الفئات المهزومة في عقيدتها وصدق الخالق البارئ حينما قال: {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا} (البقرة 276) . فها هي تلك الدول العربية ما زالت تعاني من آثار المحق الذي توعد الله به المتعاملين بالربا ولم تخرج من دائرة التخلف والتبعية إلي آفاق التقدم والنمو بل ما زالت تعد من بين الدول النامية التي

(1) المرجع نفسه، ص 503.

(2) أبو يعلي، الأحكام السلطانية، صحيحة وعلق عليه محمد حامد الفقي، دار الكتب العلمية، 1403، بيروت، 253، الأحكام السلطانية، الماوردي، ص 185.

الماوردي، الأحكام السلطانية، خرج أحاديثه وعلق عليه خالد العلمي، دار الكتاب العربي، بيروت، ط 1، 1410 هـ، ص 1985.

(3) أبي المعالي الجويني، غياث الأمم في الثيات الظلم، تحقيق د. مصطفي حلمي، وفؤاد عبد المنعم، دار الدعوة للطبع والنشر، الإسكندرية، ص 205.

(4) المنذري، مختصر صحيح مسلم، تحقيق الألباني، باب أكبر الشرك بالله، مرجع سابق، 18.

(5) المصرف الإسلامي الدولي للاستثمار والتنمية، القاهرة، دليل الفتاوى الشرعية في الأعمال المصرفية، ص 23.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت