وإذا كانت الدول النامية المدينة قد اعتمدت في مواجهة مشكلة ديونها في السبعينات وأوائل الثمانينات على مصادرها الرئيسية من النقد الأجنبي التي كانت تستوفيها بشكل رئيسي من حصيلة صادراتها ومن التدفقات المالية المتجهة إليه. فإن انخفاض حصيلة تلك المصادر في الآونة الأخيرة ترتب عليه تعثر تلك الدول في خدمة ديونها، الأمر الذي تسبب في بروز أزمة الديون الخارجية، وجعل الدول النامية المدينة تطرق أبواب الجهات الدائنة ملتمسة منها العطف واللين، متجاهلة أن العلاقات الاقتصادية الدولية الراهنة لا تعرف الإحسان أو الرحمة، بقدر ما تعرف جني المكاسب الاقتصادية الضخمة.
ومن الطبيعي في هذه الحالة أن تلجأ الجهات الدائنة إلى وضع الشروط التي تراها كفيلة بإعادة قروضها وخدمتها إليها، وبشكل يضمن استمرارية تبعية الدول المدينة للجهات الدائنة، وبزعم أن تلك الشروط تساعد الدول المدينة على الخروج من هذه الأزمة، في حين أن ذلك في الواقع ما هو إلا ترحيل لهذه المشكلة لفترة قصيرة.
وبالنظر إلى تلك الشروط - التي وضعها صندوق النقد الدولي السالف ذكرها - فإنه يتبين أنه يغلب عليها طغيان مصلحة الجهة الدائنة على المدينة، وأنها تعتبر بمثابة تدخل في السياسة الاقتصادية للدولة المدينة بشكل يضمن استرداد حقوق الدول الدائنة، مهما كانت الآثار الاقتصادية والاجتماعية المترتبة على ذلك.
ففيما يتعلق بتخفيض الإنفاق العام (الجاري والاستثماري) بحجة أن ذلك يحد من عجز الموازنة العامة للدولة ومن حدة التضخم فإنه يتبين أن خفض ذلك الإنفاق وبشكل كبير في الدول النامية سيؤدي إلى انخفاض معدلات النمو الاقتصادي لهذه الدول، وما يستتبعه ذلك من نقص في الإنتاج وزيادة في البطالة وتدهور في مستوى المعيشة [1] . وعلى سبيل المثال أدت إجراءات التقشف التي فرضها الصندوق على المغرب إلى الاستغناء عن
(1) د. إبراهيم العيسوي، المسار الاقتصادي في مصر وسياسات الإصلاح مركز البحوث العربية، القاهرة 1989، ص 40.