4 -وقد تنزل الآيات على الأسباب الخاصة وتوضع مع ما يناسبها من الآي العامة رعاية لنظم القرآن وحسن السياق، فيكون ذلك الخاص قريبًا من صورة السبب في كونه قطعي الدخول في العام مثاله: قوله تعالى ("ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت" [1] إلى آخره، فإنها إشارة إلى كعب بن الأشرف ونحوه من علماء اليهود لما قدموا مكة وشاهدوا قتلى بدر حرضوا المشركين على الأخذ بثأرهم ومحاربة النبي صلى الله عليه وسلم، فسألوهم من أهدى سبيلًا محمد وأصحابه أم نحن؟ فقالوا: أنتم، مع علمهم بما في كتابهم من نعت النبي صلى الله عليه وسلم المنطبق عليه وأخذ المواثيق عليهم أن لا يكتموه فكان ذلك أمانة لازمة لهم ولم يؤدوها حيث قالوا للكفار(أنتم أهدى سبيلًا) حسدًا للنبي صلى الله عليه وسلم، فقد تضمنت هذه الآية مع هذا القول المتوعد عليه المفيد للأمر بمقابلة المشتمل على أداء الأمانة التي هي ببيان صفة النبي صلى الله عليه وسلم بإفادة أنه الموصوف في كتابهم، وذلك مناسب لقوله (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها) " [2] فهذا عام في كل أمانة، وذاك خاص بأمانة هي صفة النبي صلى الله عليه وسلم بالطريق السابق، والعام تال للخاص في الرسم متراخ عنه في النزول، والمناسبة تقتضي دخول ما دل عليه الخاص والعام، ولذا قال ابن العربي في تفسيره وجه النظم أنه أخبر عن كتمان أهل الكتاب صفة محمد صلى الله عليه وسلم، وقولهم (إن المشركين أهدى سبيلًا) فكان ذلك خيانة منهم، فانجر الكلام إلى ذكر جميع الأمانات انتهى."
قال بعضهم: ولا يرد تأخر نزول آية الأمانات عن التي قبلها بنحو ست سنين، لأن الزمان إنما يشترط في سبب النزول لا في المناسبة، لأن المقصود منها وضع آية في موضع يناسبها، والآيات كانت تنزل على أسبابها، ويأمر النبي صلى الله عليه وسلم بوضعها في المواضع التي علم من الله أنها مواضعها.
صيغة سبب النزول وضوابطه:
1 -قال الحاكم في علوم الحديث: إذا أخبر الصحابي الذي شهد الوحي والتنزبل عن آية من القرآن أنها نزلت في كذا فإنه حديث مسند، ومشى على هذا ابن الصلاح وغيره، ومثلوه بما أخرجه مسلم عن جابر قال: كانت اليهود تقول: من أتى امرأة من دبرها في قبلها جاء الولد أحول، فأنزل الله ("نساؤكم حرث لكم") [3] .
وقال ابن تيمية: قولهم نزلت هذه الآية في كذا يراد به تارة سبب النزول، ويراد به تارة أن ذلك داخل في الآية وإن لم يكن السبب، كما تقول عني بهذا الآية كذا، وقد تنازع العلماء في قول الصحابي نزلت هذه الآية في كذا هل يجري مجرى المسند كما لوذكر السبب الذي أنزلت لأجله،
(1) - النساء -الاية 51
(2) - النساء الأية 58
(3) -معرفة علوم الحديث للحاكم - (ج 1 / ص 36)