الآية في لفظ خبر ضمنه وعد بشرط لأن قوله {إن يكن منكم عشرون صابرون} بمنزلة أن يقال إن يصبر منكم عشرون يغلبوا، وفي ضمنه الأمر بالصبر
وتظاهرت الروايات عن ابن عباس وغيره من الصحابة بأن ثبوت الواحد للعشرة كان فرضًا من الله عز وجل على المؤمنين ثم لما شق ذلك عليهم حط الفرض إلى ثبوت الواحد للاثنين
قال القاضي أبو محمد: وهذا هو النسخ" [1] لأنه رفع حكم مستقر بحكم آخر شرعي، وفي ضمنه التخفيف، إذ هذا من نسخ الأثقل بالأخف، وذهب بعض الناس إلى أن ثبوت الواحد للعشرة إنما كان على جهة ندب المؤمنين إليه، ثم حط ذلك حين ثقل عليهم إلى ثبوت الواحد للاثنين، وروي أيضًا هذا عن ابن عباس، قال كثير من المفسرين: وهذا تخفيف لا نسخ إذ لم يستقر لفرض العشرة حكم شرعي، قال مكي: وإنما هو كتخفيف الفطر في السفر وهو لو صام لم يأثم وأجزأه."
قال القاضي أبو محمد: وفي هذا نظر، ولا يمتنع كون المنسوخ مباحًا من أن يقال نسخ، واعتبر ذلك في صدقة النجوي، وهذه الآية التخفيف فيها نسخ للثبوت للعشرة، وسواء كان الثبوت للعشرة فرضًا أو ندبًا هو حكم شرعي على كل حال، وقد ذكر القاضي ابن الطيب أن الحكم إذا نسخ بعضه أو بعض أوصافه أو غير عدده فجائز أن يقال له نسخ لأنه حينئذ ليس بالأول وهو غيره، وذكر في ذلك خلافًا" [2] ."
الفصل الثالث
الدخيل في تفسير سورة التوبة
(1) - النسخ إزالة شئ بشئ يتعقبه كنسخ الشمس الظل، والظل الشمس، فتارة يفهم منه الازالة وتارة يفهم منه الاثبات، وتارة يفهم منه الامران. ونسخ الكتاب إزالة الحكم بحكم يتعقبه، قال تعالى: (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها) غريب القرآن للأصفهاني - (ج 1 / ص 490)
(2) - المحرر الوجيز - (ج 3 / ص 207)