فهرس الكتاب
قال وهب: كان الرجل يبني البنيان, فتمر عليه مائة سنة , فيخرب, ثم يجدده, فتمر عليه مائة سنة, فيخرب, ثم يجدده , فتمر عليه مائة سنه فيخرب , ثم يجدده, فتمر عليه مائة سنة فيخرب, ثم يجدده فتمر عليه مائة سنة, فيخرب, فأضجرهم ذلك , فاتخذوا الجبال بيوتًا.
و لقد أرسلنا (إلي ثمود) اسم قبيلة من العرب سموا باسم أبيهم الأكبر, وهو ثمود بن عامر بن سام بن نوح, وتسمي عادًا الثانية (أخاهم) في النسب (صالحا) ؛لأنه صالح بن عبيد بن أسف بن ماسح بن عبيد بن حاذر بن المذكور, فهو من فروعه, فليس من أنبياء بني إسرائيل, وكان بين صالح وهود مائة سنة, وعاش صالح مائتين وثمانين سنة.
ووجه كونها معجزة له خارقة للعادة أنها خرجت من صخرة في الجبل, وكونها لا من ذكر ولا من أنثي, وكان خلقها من غير حمل ولا تدريج؛ لأنه خلقت في ساعة, وخرجت من الصخرة, وقيل: لأنها كان لها شرب يوم ولجميع قبيلة ثمود شرب يوم, وهذه من المعجزة أيضا؛ لان ناقة تشرب ما تشربه قبيلة معجزة وكانوا يحلبونها في يوم شربها قدر ما يكفيهم جميعهم, ويقوم لهم مقام الماء, وهذا أيضا معجزة. وقيل: إن سائر الوحوش والحيوانات كانت تمتنع من شرب الماء في يوم نوبتها, وتشرب في يوم نوبة ثمود, وهذا أيضًا معجزة وإنما أضافها إلي الله؛ لأن الله تعالي خلقها من غير واسطة ذكر وأنثي. وقيل: لأنها لم يملكها أحد إلا الله تعالي. وقيل: لأنها كانت حجة الله علي قوم صالح, وإنما استشهد صالح علي صحة نبوته بالناقة؛ لأنهم سألوه إياها آية دالة علي صدق دعوته, وصحة نبوته.
وروي: أن هذه الناقة هي آية مقترحة لقوم صالح لما حذرهم وأنذرهم سألوه آية, فقال: أية آية تريدون؟ قالوا: تخرج معنا إلي عيدنا في يوم معلوم لهم من السنة, فتدعو إلهك, وندعوا آلهتنا, فإن استجيب لك اتبعناك, وإن استجيب لنا اتبعتنا. قال صالح: نعم. فخرج معهم , فدعوا أوثانهم وسألوها الإجابة, فلم تجبهم, ثم قال سيدهم - جندع بن عمرو بن جواس, وأشار إلي صخرة منفردة من ناحية الجبل يقال لها: الكاثبة - أخرج لنا من هذه الصخرة ناقة مخترجة جوفاء وبراء عشراء" [1] , والمخترجة: ما شاكلت البخت من الإبل, فأخذ صالح عليه السلام مواثيقهم لئن فعلت ذلك لتؤمنن ولتصدقن قالوا: نعم. فصلي ركعتين, ودعا ربه , فتمخضت الصخرة تمخض النتوج بولدها, ثم تحركت, فانصدعت عن ناقة كما وصفوا, لا يعلم ما بين جنبيها إلا الله عظمًا, وهم ينظرون, ثم نتجت سقبًا مثلهم في العظم, فآمن به جندع ورهط من قومه, وأراد"
(1) - ناقة مخترجة: خرجت على خلقة الجمل، جَوفاءُ، أي ذاتُ جَوْفٍ براء: البراءة من العَيب والمكروه، وناقة عُشَراء: بلغ حمْلها عشرة أشهر- انظر أساس البلاغة - 1/ 110 الصحاح في اللغة - 1/ 109) العين - (2/ 177) المزهر - (1 / ص 23)