فهرس الكتاب

الصفحة 107 من 262

يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة فإن هم بها فعملها كتبها الله سيئة واحدة ولا يهلك على الله إلا هالك"متفق عليه"

*** الله سبحانه - أرحم من ملك و أكرم من أعطي و أحق من حُمد - جعل سبحانه ثوابا لعباده إن هم أطاعوه و هو خالقهم و بارئهم و مصورهم و محييهم و مالكهم و ملكهم و هو الذي هداهم لطاعته و إنما شكروه بنعمته و رزقه و فضله عليهم فلو أمرهم بطاعته و توعدهم على معصيته لكان عدلا لأنه ربهم و إلههم فهذا حقه و لكنه وعدهم النعيم و لم يعدهم النعيم على قدر ما أسلفوا في الدنيا من العمر أو حتى ألف ألف ضعف عمرهم بل وعدهم الخلود في النعيم و لو كان مقدار النعيم هو مقدار ما أسلفوا لأنفسهم من خير يخلدون فيه لكان كرما و فضلا عظيما و لو كان مقدار النعيم أن يعطى كل منهم ربع غاية أمنيته أو ثلثها أو نصفها أو كلها فهذا كرم لا يوصف

و لو كان مقدار النعيم أن يعطى كل منهم غاية أمنيته و حلمه لكان ذلك غاية مراد العباد من ربهم و لكن أن يعطوا ما لا عين رأت و لا أذن سمعت و لا خطر على قلب بشر و فوق ما عرفوا و تمنوا فهذا فضل الله و كرم الله.

و الأعظم من هذا و الأكبر أن العباد لا يطيقون أداء حق الله و لولا فضل الله و رحمته ما زكى منهم من أحد أبدا و لا يدخل أحدهم الجنة بعمله و لا حتى خيرهم فقبل منهم اليسير من العمل و تجاوز لهم عن الكثير من الزلل و أعظم لهم الأجر في أقل العمل و هداهم و كفاهم و أواهم و عافاهم و عفا عنهم و أيدهم و نصرهم و مكنهم ووالاهم و ثبتهم و علمهم و غفر لهم و أرسل لهم الرسل و أنزل لهم الكتب و خفف عنهم و أوهن كيد عدوهم و أعطاهم في حياتهم الدنيا ما لا يحصوه من النعم حتى بلغوا رضاه و لا يهلك على الله إلا هالك.

فسبحان من خلق عباده فأكرمهم فعاشوا كالأحرار و هم عبيد ووعدهم الثواب أن يكونوا ملوكا مخلدين و هم عبيد فأوجدهم من عدم ليسعدوا سعادة هي فوق غاية أمنيتهم.

فسبحان من العبودية له خير من الحرية و سبحان من إن أعطى العبد جعله أعظم الملوك و هو غني عن العالمين لا يملك أحد ضره فيضره و لا يملك أحد نفعه فينفعه.

و فوق ذلك كله أنه أحبهم أعظم الحب و أرقه و أصفاه فالله هو الودود و الود أصفى الحب و أخلصه و صفوته فهو الذى يحب عباده هذا الحب و يحبه عباده هذا الحب و قال تعالى:"قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله".

فلو كان الله كلفهم حق العبودية فقد أعانهم و أيدهم و خفف عنهم و رضي منهم بالوسع و هو العظيم و بعد أن لم يكن أحد منهم شيئا مذكورا أعطاهم الحياة و أعطاهم فوق مرادهم منها و جعلهم ملوكا مخلدين لهم ما يشاءون و يعطيهم عليه المزيد و أحبهم و رضي عنهم.

و مع ذلك كله فإن الله عرض على أبينا آدم التكليف أولا فقبله طوعا و رغبة و أقول و الله أعلم أن كل منا يجد ذلك في نفسه أنه لو عرض عليه لقبل فكيف نقبل ثم لا نوفي فلله الحجة البالغة.

*** الفوائد العملية في الآية:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت