فالإنسان محاط بقدرة الله و علمه و ذلك العلم ليس بظاهره فقط بل بخطرات نفسه و ما دونها و ما فوقها الله يعلم صدق الصادق و كذب الكاذب و ماذا أراد كل فاعل بفعله؟
و فوق ذلك فإن الله خلق العبد و خلق فعله قال تعالى"الله خالق كل شيء و هو على كل شيء وكيل"و قال سبحانه حاكيا عن إبراهيم في مناظرة قومه:"أتعبدون ما تنحتون * و الله خلقكم و ما تعملون"و قال النبي (ص) :"إن الله صنع كل صانع و صنعته"صححه الألباني فالصدور من خلق الله و خطرات النفوس من خلق الله و كل شيء من خلق الله سبحانه.
و من رحمة الله أن العبد المؤمن لا يكلف ما يدور في خلده و يخطر بباله ما لم يتكلم أو يعمل و الوساوس التي يجدها في صدره فينكرها و يكرها لا تضره بل هي صريح الإيمان.
ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم {لله ما في السموات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير} قال فاشتد ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم بركوا على الركب فقالوا أي رسول الله كلفنا من الأعمال ما نطيق الصلاة والصيام والجهاد والصدقة وقد أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم سمعنا وعصينا بل قولوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير قالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير فلما اقترأها القوم ذلت بها ألسنتهم فأنزل الله في إثرها {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير} فلما فعلوا ذلك نسخها الله تعالى فأنزل الله عز وجل {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} قال نعم {ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا} قال نعم {ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به} قال نعم {واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين} قال نعم.
و روى الحاكم في مستدركه عن سالم: أن أباه قرأ: {إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء و يعذب من يشاء} فدمعت عيناه فبلغ صنيعه ابن عباس فقال: يرحم الله أبا عبد الرحمن لقد صنع أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم حين نزلت فنسختها الآية التي بعدها {لها ما كسبت و عليها ما اكتسبت}
قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد و لم يخرجاه و قال الذهبي في التلخيص: صحيح
قلت (أبو يوسف) : و هذا من عظيم رحمة الله أن علم و عفا و أن قدر و تجاوز فالله عليم و من العدل أن يحاسب كل إنسان بما في نفسه و لكنه سبحانه تفضل علينا ووسع و لو عذبنا بذلك عذبنا غير ظالم لنا و سبحان الله فلولا فضله ما بلغ أحد أداء حقه و سبحان من بلغ عباده رضاه و هو العظيم الذي لا يستطيعون أداء حقه فلو عذبهم عذبهم غير ظالم لهم و لكنه خفف عنهم و عفا عنهم فهذه نعمة لا يكافئها شكر و كيف يكافئها و الإنسان لن يبلغ بعمله رضا الله فبلغه الله بفضله.
و في صحيح البخاري: عن أبي هريرة قال قال النبي - عليه الصلاة والسلام"إن الله تجاوز لي عن أمتي ما وسوست به صدورها ما لم تعمل أو تكلم".
و في صحيح مسلم: عن أبي هريرة قال"جاء ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به قال وقد وجدتموه قالوا نعم قال ذاك صريح الإيمان".