فهرس الكتاب

الصفحة 119 من 262

فإني إن شئت جعلت هذه الدار التي هي منزل أمنك ومركز سلامتك منشأ للآفات التي تتحير فيها ومنبعًا للمحن التي تهلك بسببها، فكذا ههنا، كأنه تعالى قال: أيها الكفار اعلموا أني عالم بسركم وجهركم، فكونوا خائفين مني محترزين من عقابي، فهذه الأرض التي تمشون في مناكبها، وتعتقدون أنها أبعد الأشياء عن الإضرار بكم، أنا الذي ذللتها إليكم وجعلتها سببًا لنفعكم، فامشوا في مناكبها، فإنني إن شئت خسفت بكم هذه الأرض، وأنزلت عليها من السماء أنواع المحن.

***"ذلولا":

والذُّلُّ والذِّلُّ ضد الصعوبة و هو الانقياد و الهوان و اللين.

والذلول من كل شيء: المنقاد الذي يذل لك و يكون في الإِنسان والدابة والذلول من الدواب المنقادة المطاوعة و هو فعول للمبالغة بمعنى فاعل يستوي فيه المذكر والمؤنث و أنكر أبوحيان ما ذكره بن عطية أن يكون فعول بمعنى مفعول أي مذلولة قال: وليس بمعنى مفعول لأن فعله قاصر، وإنما تعدى بالهمزة كقوله: {وتذل من تشاء} وأما بالتضعيف لقوله: {وذللناها لهم} وقوله: أي مذلولة يظهر أنه خطأ. اه

و ذلولية الأرض تذليل الانتفاع بها مع صلابة خلقها تشبيها بالدابة المسوسة المروضة بعد الصعوبة.

*** و من مظاهر ذلولية الأرض أمور:

أحدها: أنه تعالى ما جعلها صخرية خشنة بحيث يمتنع المشي عليها، كما يمتنع المشي على وجوه الصخرة الخشنة.

وثانيها: أنه تعالى جعلها لينة بحيث يمكن حفرها، وبناء الأبنية منها كما يراد، ولو كانت حجرية صلبة لتعذر ذلك.

وثالثها: أنها لو كانت حجرية، أو كانت مثل الذهب أو الحديد، لكانت تسخن جدًا في الصيف، وكانت تبرد جدًا في الشتاء، ولكانت الزراعة فيها ممتنعة، والغراسة فيها متعذرة، ولما كانت كفاتًا للأموات والأحياء.

ورابعها: أنها في إدراكنا ثابتة ساكنة و لو كانت تتحرك و تجرى لشق الأمر علينا مشقة شديدة.

خامسها: أنها خلقت على كيفية جامدة ساكنة لا تتحرك و لا ترتج و لا تضطرب و لا تثور فيها في كل موطن البراكين و الزلازل.

سادسها: أن ما بها و ما فوقها و ما تحتها مسخر للإنسان ينتفع به كيف شاء و متى شاء.

سابعها: رغم أن للأرض كيفية تعقل بها و هى التي أبت بها أن تحمل الأمانة لما عرضت عليها إلا إنها في إدراكنا جماد ساكن لا يتحرك و لا يطالبنا بشيء بل منفعته مباحه لنا بلا ثمن.

و سبحان من سخر الأرض ذلك المخلوق الكبير العظيم الذي يحوى الجبال و الكنوز و البراكين للإنسان ذلك المخلوق الضعيف الهزيل الصغير الذي تكفي ضربة حجر لقتله و الأعجب من ذلك تسخير ما في السماوات أيضا الشمس و القمر و النجوم وينتفع المرء بالسحاب و يحميه الغلاف الأرضي من الشهب و يمسك المياه أن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت