فهرس الكتاب

الصفحة 120 من 262

تتبخر في الكون قال تعالى:"أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ" [لقمان: 20]

و الإنسان يعتاد و يألف ما يراه و يسمعه و ما خلق فوجد نفسه فيه و لا يتدبر أن تسخير ما حوله كان بفعل الله منة و نعمة عليه و لو ترك الإنسان و ما حوله لهلك لضعفه و عجزه و أعجب من ذلك أن الإنسان وجد نفسه في هذا الدنيا فلم يخلق نفسه و لم يكن له أي دور في إيجادها و لما جاءته رسالة الرسل بالبراهين الصادقة أنكرها و جحدها و استنكر النشأة الأخرى.

*** الإنسان مخلوق واحد يعيش على وجه الأرض و يوجد معه من المخلوقات ما لا يعلم عدده إلا الله سبحانه و مع ذلك فالأرض مسخرة له كالسيد يحيا عليها و باقي المخلوقات رغم أنها تحيا معه على الأرض إلا أنها تحت قهره و سيطرته إما بالقوة الفعلية أو بالعقل الذي وهبه الله إياه فمكنه به من السيادة على الأرض.

و تخيل كانت الأرض على صورة حي يرهق البشر بالتكاليف لكي يتركهم على ظهره و كذا البحار و الأفلاك و الجبال و الهواء و الماء و غير ذلك.

تخيل لو كانت الأرض كلها جبال و قفار أو براكين و زلازل ماذا سيفعل بن آدم المسكين؟ فإذا تأملت ذلك الحال علمت حقيقة الضعف البشرى و عظمة المنة الإلهية عليه.

*** و تأمل أن الله سبحانه لما ذلل الأرض العظيمة ذلت فوطئها كل أحد و لما سخر الشمس و القمر و الأفلاك ذلوا و خضعوا و لم يخرج منهم أحد عن الناموس الذي وُضع له و بن آدم المتناهي في الصغر لا يتعظ و لا يتدبر و لو تدبر مقدار قدرة الله عليه و أن لو يشاء الله لأخضعه و لكنه يمهله امتحانا له و حلما عليه.

*** و هنا أمر هام يغفل و هو أنه لولا تسخير الله سبحانه للأرض لما استطاع الإنسان أن يصل إلى التقدم و الرقي الذي وصل إليه اليوم فالبعض قد ينظر للحضارة المعاصرة و ينبهر بها غاية الانبهار و لا يلتفت أنه لولا أن الله سبحانه سخر لنا الأرض و ما فيها و مكننا فيها و جعلنا فيها آمنين لما استطاع البشر الوصول لشيء من ذلك.

فكثيرون ينظرون إلى جانب العلم و العمل البشرى فينبهرون إذا رأوا شيئا من المخترعات الحديثة التي تيسر أمرا لم يكن متصورا قبل ذلك و لا ينظرون إلى السيل الجرار من المنن و النعم التي لولا أن الله وهبنا إياها لما وصلنا إلى شيء فالإنسان أعجز من أن يوجد من العدم ذرة فما دونها و لا أقول فما فوقها و الله سبحانه استودع له في هذه الأرض من المنافع الشيء العظيم من المطاعم و المشارب و المواد الخام و المخلوقات العظيمة و الدقيقة و أعطاه المناخ الملائم لحياته و أمنه على ظهر الأرض بما يضمن بقاء نوعه و أسبغ عليه نعمه ظاهرة و باطنه و سخر له ما في السماوات و الأرض و أعطاه العقل.

فجاء الإنسان فاستعمل المادة الخام و العقل الذي وهبه الله إياه و الأمن الذي يحيا فيه و أخذ يكتشف في القوانين الكونية التي فطر الله الأرض عليها فلما جاء بتلك الاكتشافات لم ينظر إلى سابق المنن و النعم بل نظر فقط إلى ذلك الاكتشاف أو الاختراع و تعاظم في نفسه و ليس شأنه أكثر من شأن الطفل الذي يحبو فلما مشى ظن نفسه أقوى الأقوياء و أقدر القادرين و هو لا يعدو كونه طفل يلهو و يلعب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت