الرابع: تأمل في تقديم المجرور في جملة (وإليه النشور) فالمرجع و النهاية لله وحده فالله هو الغاية و إليه المنتهى.
الخامس: أنه مجزى بما اقترفت يداه في سعيه و كسبه فالأرزاق و الأقوات التي في الأرض لم يترك الخلق ليحصلوا عليها بأي سعي بل هم محاسبون إن خالفوا أوامر الله سبحانه في سعيهم فظلموا و بغوا و نحو ذلك.
*** الفوائد العملية في الآية:
1 -تدبر مظاهر ذلولية الأرض و التأمل في قدرة الله و منته في تذليل الأرض الواسعة العظيمة للإنسان الضعيف الصغير و كذا تسخير ما في السماوات و التنبه إلى أن ليس للإنسان بذلك طاقة البتة فهي نعمة عظيمة لا يلتفت لها الكثيرون و لا يحسبونها من النعم و كذا تسخير السماوات و غيرها من النعم التي إن سألت أحدا أن يحصي نعم الله لم تخطر بباله فسبحان الذي خلق فأوسع.
2 -التأمل في مقدار الضعف البشري و عظمة المنة و الفضل الإلهي.
3 -الأرض لما ذللها الله ذلت أوليس الإنسان أحق منها بالذل لخالقه؟
4 -ما يغتر به الناس من التقدم و الاختراعات الحديثة إنما هو بنعم الله و ما أودعه في الأرض من خير و علمه للإنسان من علم و وهبه من عقل و هيأ له من أمان و ظروف ملائمة و لولا ذلك لما وصل لشيء و أن كل ما بلغه هو فقط الاستفادة من الخيرات التي وضعها الله له في الأرض أما مفرده أو بتجميعها و الاستفادة من السنن الكونية و العلم يقود الإنسان لمعرفة عظمة خالقه و قدرته و من تعلم و تدبر علم أننا ذرة أو أقل في كون الله و أن علم الله و قدرته و عظمته فوق إدراكنا.
و هنا لطيفة أن الإنسان لكي يتعلم العلم الشرعي و يتعبد يحتاج لظروف مهيأة و إلا فلو سُلط عليه كد الدنيا و ابتلى بما يشغله و لا بد له منه لما استطاع أن يصل في العلم و العمل إلى الغاية و الله أعلم قال تعالى"و كذلك مكنا ليوسف في الأرض و لنعلمه من تأويل الأحاديث و الله غالب على أمره و لكن أكثر الناس لا يعلمون"و الذي هيأ للبشر ظروف الحياة و ذلل لهم الأرض حتى أبدعوا ووصلوا للتقدم العلمي الحالي رحمة منه بهم يُرجى منه أن ييسر الأحوال و يسخر الظروف لعباده الصالحين ليتعلموا و يتعبدوا و النبي صلى الله عليه و سلم قال للرجل الذي ينفق على أخاه العابد"لعلك ترزق به"فصدق الرغبة و سلوك سبيل الطاعة من أسباب الرزق و العافية و الله أعلم.
5 -السعي لمن أحتاج إليه لا يناقض الكمال و لا التوكل بل هو من الطاعات فلا يبتئس الإنسان بأنه يشغله أحيانا قهرا عن علمه أو عبادته فهو أمر قرآني و من سنن المرسلين و عمل صالح و هو لا يراد لذاته بل هو السبيل الشرعي للحصول على حاجات الإنسان و الإنسان لا ينفك عن حاجات و السعي مفاخرة و مراءاة محرم و من أسباب الرزق كفالة العباد أو المتعلمين و كل نفقة ينفقها المرء على نفسه أو أهله يحتسبها فهي في صدقة و خير الدراهم درهم أنفقه على أهله و يراعى في النفقة الأقرب فالأقرب.
6 -نعمة الله في خلقه ان أودع لهم أرزاقهم و الطيبات في الأرض ثم كلفهم مجرد السعي الحلال لتحصيل تلك النعم و الخيرات فالله أودع الأرض خيراتها و أقواتها التي تكفي خلقه و تفيض و إنما بن آدم هو الذي يجمع و يمنع و يظلم و يبغي.
7 -الدنيا زائلة فلا يركن إليها و إلى الله المنتهى و إليه المرجع و كلٌٌ محاسب بما كسب في سعيه و معاشه.