*** و في الآية إشارة لطيفة فالله سبحانه يقول لعبادة لقد ذللت لكم الأرض و لم يكن لكم أبدا أن تسخروها و أودعت لكم فيها أرزاقكم و الطيبات و ليس عليكم إلا مجرد السعي و الاكتساب فاسعوا و كلوا من رزق الله و تمتعوا بالطيبات.
فالله سبحانه خلق لنا المطاعم الكثيرة و المشارب المختلفة و الطيبات المتنوعة و لو اجتمع الأنس و الجن على خلق ذبابة لم و لن يقدروا و لم يكلفنا إلا مجرد السعي و قد قدر لنا الأرزاق.
و بالمثال تتضح الأمور فكأن هناك ملكا عظيما خلق دارا كبيرة جدا تسع الخلق كلهم و تزيد ثم أودعها من المطاعم و المشارب و المنافع الشيء الكثير التي لم يكن لأحدهم بها علم و لا قدرة على إيجادها و قال للخلق اسكنوها و ليس عليكم إلا تحصيل الطيبات
و اشكروا فضلي عليكم و لكم المزيد.
قال سبحانه"ربكم الذي يزجي لكم الفلك في البحر لتبتغوا من فضله إنه كان بكم رحيما"فهو الذي خلق لكم الطيبات و هو الذي يسير لكم السفن في البحر لتنالوا من البعيد الذي لا تصلون إليه فتأمل في هذا رحمة الله في خلق المنافع و إيصال البعيد و احمد الله.
*** و لا يفوت هنا أيضا الإشارة إلى أن تنوع المطاعم و المشارب وكثرتها لذتها و إلا كان من الممكن أن يخلق للإنسان طعام واحد و شراب واحد و كفى و سيكون ذلك نعمة و منه و لكن الله الكريم أعطانا في الدنيا الكثير و للمؤمنين في الآخرة أكثر اللهم أجعلنا منهم.
***"وَإِلَيْهِ النشور":
أى البعث و الإحياء بعد الموت ومناسبة ذكر النشور هو ذكر خلق الأرض فإن البعث يكون من الأرض وهو بمثابة التذييل للآية.
*** الإنسان ينشغل بسعيه و رزقه فلا يرى إلا ما تدركه حواسه و يغفل عن حقيقة أمره و الله سبحانه يعلمه القواعد التي يسير عليها لينال سعادة الدنيا و الآخرة و لا يشقى و يخزى فالله هو الذي أودع له تلك الطيبات منة منه و رحمة و طلب منه السعي و لكن عليه أن يتذكر في سعيه أمور:
الأول: أن هذه النعمة من الله فليحمده و ليعلم له فضله و لا ينسب الفضل لنفسه و لا يكفر و يجحد هذه النعمة العظيمة.
الثاني: أن لا ينشغل بكسبه هذا عن خالقه.
الثالث: أن الدنيا زائلة و كل ما حوله و ما يسعى و يكد و يحرق قلبه في طلبه زائل و أنه راجع إلى الله فليحذر المخالفة و الركون إلى الدنيا.