دعا الكل إلى الله تعالى وأرشدهم إلى أن فوزهم ونجاتهم في انصراف قلوبهم عن الدنيا إلى الله تعالى وعمدة الاشتغال بالله عز وجل القلب.
و لا يظنن ظان أن سعي الرجل على نفسه و أهله ليس بالعمل العظيم ففي مجمع الزوائد عن كعب بن عجرة قال: مر على النبي صلى الله عليه و سلم فرأى أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم من جلده ونشاطه فقالوا: يا رسول الله لو كان هذا في سبيل الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم:
إن كان خرج يسعى على ولده صغارا فهو في سبيل الله وإن كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيل الله وإن كان خرج يسعى على نفسه يعفها فهو في سبيل الله وإن كان خرج يسعى رياء ومفاخرة فهو في سبيل الشيطان
قال الهيثمي: رواه الطبراني في الثلاثة ورجال الكبير رجال الصحيح
و قال صلى الله عليه و سلم:"كفى بالمرء إثما أن يضيع من يعول"و كل نفقة ينفقها المرء على نفسه و أهله يحتسبها فهي له صدقه قال صلى الله عليه و سلم:""يا أيها الناس ابتاعوا أنفسكم من الله من مال الله، فإن بخل أحدكم أن يعطي ماله للناس فليبدأ بنفسه، و ليتصدق على نفسه فليأكل و ليكتس مما رزقه الله عز وجل"صححه الألباني."
و أفضل دينار ينفقه المرء هو الذي ينفقه على أهله قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: «أَفْضَلُ دِينَارٍ يُنْفِقُهُ الرَّجُلُ دِينَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَى عِيَالِهِ دِينَارٌ يُنْفِقُهُ الرَّجُلُ عَلَى دَابَّتِهِ فِى سَبِيلِ اللَّهِ دِينَارٌ يُنْفِقُهُ الرَّجُلُ عَلَى أَصْحَابِهِ فِى سَبِيلِ اللَّهِ» . قَالَ أَبُو قِلاَبَةَ: وَبَدَأَ بِالْعِيَالِ فَأَىُّ رَجُلٍ أَعْظَمُ أَجْرًا مِنْ رَجُلٍ يُنْفِقُ عَلَى عِيَالٍ صِغَارٍ يَقُوتُهُمُ اللَّهُ وَيَنْفَعُهُمْ بِهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِى الصَّحِيحِ عَنْ أَبِى الرَّبِيعِ و قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: «دِينَارٌ أَعْطَيْتَهُ مِسْكِينًا وَدِينَارٌ أَعْطَيْتَهُ فِى رَقَبَةٍ وَدِينَارٌ أَعْطَيْتَهُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ قَالَ الدِّينَارُ الَّذِى أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ أَعْظَمُ أَجْرًا» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِى الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ الثَّوْرِىِّ.
قال العلماء: المحترف الذي يحتاج إلى الكسب لعياله فليس له أن يضيع العيال ويستغرق الأوقات في العبادات بل ورده في وقت الصناعة حضور السوق والاشتغال بالكسب ولكن ينبغي أن لا ينسى ذكر الله تعالى في صناعته بل يواظب على التسبيحات الأذكار وقراءة القرآن فإن ذلك يمكن أن يجمع إلى العمل وإنما لا يتيسر مع العمل الصلاة إلا أن يكون ناظورا فإنه لا يعجز عن إقامة أوراد الصلاة معه ثم مهما فرغ من كفايته ينبغي أن يعود إلى ترتيب الأوراد.
و يجدر بالذكر هنا الإشارة إلى أن أفضل النفقة على الأقرب ثم الأقرب قال صلى الله عليه و سلم:"أمك و أباك ثم أختك و أخاك ثم أدناك أدناك"و قال صلى الله عليه و سلم لمَيْمُونَةَ أم المؤمنين لما أعتقت وليدة:"وَلَوْ وَصَلْتِ بَعْضَ أَخْوالِكِ كَانَ أَعْظَمَ لأَجْرِكِ. أخرجه البخاري"
و هناك أحاديث كثيرة في هذا المعنى ليس هذا موطن ذكرها.
***"وكلوا من رزقه":
قال في التحرير: ومناسبة (وكلوا من رزقه) أن الرزق من الأرض والأمر مستعمل في الإدامة أيضا للامتنان وبذلك تمت استعارة الذلول للأرض لأن فائدة تذليل الذلول ركوبها والأكل منها فالمشي على الأرض شبيه بركوب الذلول والأكل مما تنبته الأرض شبيه بأكل الألبان والسمن وأكل العجول والخرفان ونحو ذلك.