فهرس الكتاب
مثل هذا من المؤمنين إن استفرغ وسعه في جلب الحق، فإنَّ الله يغفر له خطأه، وإن حصل منه نوع التقصير، فهو ذنب لا يجب أن يبلغ الكفر»، إلى أن قال: «فمن أخطأ في بعض مسائل الاعتقاد، من أهل الإيمان بالله وبرسوله، وباليوم الآخر والعمل الصالح، لم يكن أسوأ من هذا الرجل (يعني الذي أوصى أهله إذا مات أن يحرقوه بالنار) فيغفر الله خطأه، أو يعذبه إن كان منه تفريط في اتباع الحق على قدر دينه، وأمَّا تكفير شخص عُلِمَ إيمانه بمجرد الغلط في ذلك فعظيم ... وإن كان تكفير المعيَّن على سبيل الشتم كقتله، فكيف يكون تكفيره على سبيل الاعتقاد؟ فإنَّ ذلك أعظم من قتله، إذ كل كافر يُباح قتله، وليس كل من أبيح قتله يكون كافرًا، فقد يقتل الداعي إلى بدعة لإضلاله الناس وإفساده، مع إمكان أنَّ الله يغفر له في الآخرة لما معه من الإيمان ... » [1] .
يعتبر الإكراه مانعًا من موانع التكفير عند السلف - رضوان الله تعالى عليهم - ومن تبعهم من أهل السنة والجماعة، وهو إجماع من حيث قول كلمة الكفر من غير انشراح الصدر بها، أمَّا الفعل فمختلف فيه بين أهل العلم في قبوله في الإكراه واعتباره عذرًا يمنع صاحبه من التكفير.
والأصل في هذا قول الحق - تبارك وتعالى: {مَن كَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النحل: 106] .
قال ابن كثير رحمه الله: «أخبر تعالى عمن كفر به بعد الإيمان والتبصُّر، وشرح صدره بالكفر واطمأن به، أنه قد غضب عليه لعلمهم بالإيمان ثم عُدُولِهِمْ عنه، وأنَّ لهم عذابًا عظيمًا في الدار الآخرة، لأنهم استحبوا الحياة
(1) «الاستقامة» (1/ 163 - 166) .