فهرس الكتاب

الصفحة 820 من 1137

الدنيا على الآخرة، فأقدموا على ما أقدموا عليه من الردة لأجل الدنيا، ولم يهد الله قلوبهم ويثبتهم على الدين الحق، فطبع على قلوبهم، فهم لا يعقلون بها شيئًا ينفعهم، وختم على سمعهم وأبصارهم فلا ينتفعون بها، ولا أغنت عنهم شيئًا فهم غافلون عمَّا يراد بهم، .... وأمَّا قوله: {إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ} ، فهو استثناء ممن كفر بلسانه ووافق المشركين بلفظه مكرهًا لما ناله من ضرب وأذى، وقلبه يأبى ما يقول، وهو مطمئن بالإيمان بالله ورسوله» [1] .

قال أبو عبد الله القرطبي رحمه الله: «أجمع أهل العلم على أنَّ من أكره حتى خَشي على نفسه القتل، أنه لا إثم عليه إن كفر وقلبه مطمئن بالإيمان، ولا تبين منه زوجته، ولا يحكم عليه بحكم الكفر» [2] .

هذا ما يتعلق بمسألة النطق بكلمة الكفر تقيّةً عند الإكراه فهو مَحَلُّ إجماع واتفاق بين أهل العلم [3] ، أما مسألة الفعل فقد اختلف أهل العلم فيها على قولين:

أحدهما: ذهب طائفة من العلماء إلى أن الرخصة إنما جاءت في القول دون الفعل، قال أبو بكر بن العربي رحمه الله: « ... وأمَّا الكفر بالله فذلك جائز له بغير خلاف، على شرط أن يلفظَ بلسانه، وقلبه منشرح بالإيمان، فإنْ ساعد قلبُه في الكفر لسانه كان آثمًا كافرًا؛ لأنَّ الإكراه لا سلطان له في

(1) «تفسير القرآن العظيم» (2/ 911) . وانظر: «أحكام القرآن» (3/ 1177) لابن العربي.

(2) «الجامع لأحكام القرآن» (10/ 119) . وانظر: «المحرر الوجيز» (3/ 423) لابن عطية، و «فتح الباري» (12/ 329) لابن حجر. وأجمع العلماء - أيضًا - على أن من أكره على الكفر فاختار القتل أنَّهُ أعظم أجرًا عند الله ممن اختار الرخصة. «الجامع لأحكام القرآن» (10/ 124) .

(3) وَشَدَّد محمد بن الحسن فقال: هو كافر في الظاهر، تبين منه امرأته، ولا يرثه المسلمون، ولا يغسل وهو مسلم فيما بينه وبين الله تعالى. انظر: «شرح فتح القدير - التكملة» (9/ 246) لقاضي زاده، و «المغني» (12/ 292 - 293) لابن قدامة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت