فهرس الكتاب

الصفحة 1 من 183

المبحث الأول:

الكلام البليغ

لا يكون الكلامُ بليغًا في اللِّسَانِ العربيّ لدى علماء البلاغة، ما لم يكن مع تأثيره في المخاطب بِهِ تأثيرًا بالغًا، كلامًا فصيحًا في مفرداته وجمله.

لا بُدَّ أوّلًا من توافر الأركان الأساسية للكلام البليغ، وهي:

(1) مطابقته لمقتضى حال المخاطب به.

(2) التزامه بقواعد اللّغة وضوابطها في مفرداتها وتراكيب جملها.

(3) خلُوّه من التعقيد اللّفظي، والتعقيد المعنوي.

وبعد توافر هذه الأركان الأساسيّة توجد عناصر كثيرة تُكْسِبُ الكلام ارتقاءً أدبيًّا وتُعْطيه جمالًا وإبداعًا، ورونقًا وحياةً، وقدرةً على التأثير والهيمنة على النفوس والأفكار والقلوب.

وكما نقتبس عناصر الجمال والكمال من لوحات الطبيعة التي خلقها الله، فنعمل الأعمال الفنيّة الرفيعة بمحاكاة الفنون المختلفة فيها ضمن قدراتنا البشريّة، ونتتلمذ على الأمثلة الجمالية الكمالية التي تقدّمها لنا، فنكتسب منها الذوق، وفنون الصنعة الرائعة، بأشكالها وألوانها وأنغامها وملامسها وأنظمتها وحركتها وحياتها وعواطفها ولذّاتها وآلامها وذكرياتها وتحسّراتها وآمالها ومخاوفها، إلى سائر الظواهر الطبيعية في كل جامد متحركّ ونام وحيّ.

كذلك يقتبس أهل البصيرة عناصر الجمال والكمال الأدبي من اللّوحات البيانيّة البديعة المنزّلة من لَدُنْ حكيم عليم، والتي نتدبّر ما نتدبّر منها في كتاب الله المجيد على مقدار قدراتنا البشريّة.

وهذا التدبّر الواعي يحتاج إلى بصيرة نفّاذة لمّاحة، وصبر طويل، ومعالجات متكرّرات، ومعرفة بما توصّل إليه المتدبَّرون السابقون، وبحث مستمر لاستنباطات جديدة، ثم تكون أنصبه الباحثين بعد كل ذلك على مقدار مواهبهم، لا على مقدار البحر المحيط الذي يغترفون منه، ويغوصون في أعماقه، ليستخرجوا من روائعه وبدائعه.

الكلام لفظ و معنى:

ومن الْبَدَهِيّاَت الأساسيّة أنّ الكلام ذا الدلالة اللّغوية إنّما هو لفظ ومعنى.

* أمّا اللفظ، فينحلّ إلى قسمين:

1 -مفرد.

2 -مركب.

أمّا المفرد في المنظار الأدبي، فيمكن أنْ نقسِّمه إلى أربعة أقسام:

القسم الأول: اللّيّن السهل، وتتفاوت في ذوق الأديب درجات هذا القسم، فمن هُلاميّ رجراج، مثل الكلمات الخفيفة التي يستطيع الأطفال الصغار المبتدئون بالنطق أن ينطقوا بها صحيحة سليمة، وهي غالبًا تتألّف من الحروف الشفويّة والصوتية، ثم الحروف اللّثويّة والصوتيّة، مثل:"بابا - ماما - دادا - لولو"وتتدرّج النسبة ارتقاء، مع المحافظة على صفة اللّين والسهولة، ولكن بالنسبة إلى نطق الكبار العادّيين، مثل:"نَسْمَة - بَسْمَة - رَنَا - دَنَا - وَهَى - وَشَى"ومن السهل اللّين في القرآن قول الله تعالى في سورة (الرحمن 55) :

{الرَّحْمَانُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (2) خَلَقَ الإِنسَانَ (3) عَلَّمَهُ البَيَانَ (4) الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ (5) وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ (6) }

القسم الثاني: القويّ الجزل، وتتفاوت في ذوق الفصيح ذي الحسِّ المرهف درجات هذا القسم.

ومن أمثلة القوي الجزل المفردات التالية من سورة (الشمس 91) :

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت