1 -قال تعالى: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا}
حقيقة الكلام: أو من كان ضالًا فهديناه، ولكن أسلوب القرآن عدل عن لفظ (ضالًا) إلى لفظ (ميتًا) ولفظ (ميت) في الآية أبلغ من الحقيقة إذ تصور (الضال) بالميت وتنقل ما ليس يمر في حتى يصير مشاهدًا محسوسًا، وذلك أقوى في التأثير وأبلغ في البيان كما عدل عن لفظ (هديناه) إلى أحببناه وفي ذلك نقل المعنى العقلي إلى الصورة الحسية، والتعبير بالصورة الحسية عن المعنى الذهني وعدول عن التعبير المجرد إلى الرسم المصور وإجراء الإستعارة يكون على النحو التالي.
شبهت الهداية بالإحياء، بجامع ترتيب المنافع في كل، ثم تنوس التشبيه وادعي أن المشبه فرد من أفراد المشبه به وداخل في جنسه، ثم استعير المشبه به للمشبه، ثم اشتق من الإحياء (أحيا) بمعنى (هدى) على طريق الإستعارة التصريحية التبعية، والقرنية حالية بدل عليها سياق الآية، فليس المراد (أحييناه) أو أوجدناه فيه الحياة بل المراد هديناه.
2 -وقال تعالى: {وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ}
حقيقة الكلام: وآية لهم الليل نخرج منه النهار لكن الأسلوب القرآني عدل عن لفظ (نخرج) إلى (نسلخ) وهو أبلغ لأن السلخ إخراج الشيء من الشيء الذي لابسه وعسر إخراجه لإستحامة الليل يكشط الجلد من الشاه ونحوها، بجامع ما يترتب على ذلك من ظهور شيء كان خافيًا كما يظهر لحم الشاة المخفي تحت جلدها وهذا بعد غروب الشمس تظهر الظلمة التي هي الأصل، والنور طارئ عليها يسترها بضوئه، ثم أهمل التشبيه واستعير بمعنى نزيل- استعارة تصريحية تشبيهية تبعية - والقرنية ايقاع السلخ على النهار.
الإستعارة المكنية
عندما تصرح بالمشبه ونحذف المشبه به وتأتي بصفة أو شيء من لوازمه نكون قد جعلنا هذه الإستعارة مكنية لأننا نكني عن المشبه به بشيء يدل عليه بعد حذفه.
ويكثر التشخيص في هذا النوع من الإستعارة وخاصة في أسلوب القرآن.
أمثلة:
1 -قال تعالى: {فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ} فيجسم القرآن الروع إنسانًا يذهب، شخص يجيء.
2 -قال تعالى: {كَلَّا إِنَّهَا لَظَى * نَزَّاعَةً لِلشَّوَى* تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى * وَجَمَعَ فَأَوْعَى} فيجعل النار داعيةً وهاديةً تدعو وتهدي والناس عنها في انصراف.
3 -قال تعالى: {وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ} فالأرض مرة تكون (هامدة) وأخرى (خاشعة) فتخلع عليها صفات الحي تشخيصًا لها وتجسيمًا.
4 -وقال تعالى: {وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ} قد خلقت الآية على الرياح صفات الحيوانية التي من صفاتها التلقيح والتوالد.
الإستعارة التهكمية
يقصد القرآن عندما يريد أن يتهكم أو يستهزئ بقوم يؤثر استعمال ألفاظ المدح في ضدها من الذم والإهانة:
مثال: يقول تعالى في عاقبة أهل الأخيار بما يسر ولكنها استعيرت للإنذار- وهو الأخبار السيئ فنزل التضاد منزلة التناسب وشبه الإنذار بالتبشير بجامع السرور في كل -تحقيقًا في التبشير وتنزيلًا في الإنذار- ثم اشتق من التبشير بمعنى الإنذار بشر بمعنى أنذر -استعارة تبعية تهكمية.