فهرس الكتاب

الصفحة 119 من 183

فباتوا يستمعون للمصطفى حتى طلع الفجر فتفرقوا و جمعهم الطريق فتلاوموا، وانصرفوا على ألا يعودوا.

لكنهم عادوا فتسللوا في الليلة الثالثة و باتوا يستمعون إلى القرآن [سيرة بن هشام] .

المطلب الأول

كلمات القرآن

المفردة القرآنية:

إذا تأملت في الكلمات التي تتألف منها الجمل القرآنية رأيتها تمتاز بميزات ثلاثة رئيسية هي:

1 ـ جمال وقعها في السمع.

2 ـ اتساقها الكامل مع المعنى.

3 ـ اتساع دلالتها لما لا تتسع له عادة دلالات الكلمات الأخرى من المعاني و المدلولات.

و قد نجد في تعابير بعض الأدباء و البلغاء كالجاحظ و المتنبي كلمات تتصف ببعض هذه الميزات الثلاثة أما أن تجتمع كلها معا، و بصورة مطردة لا تتخلف أو تشذ فذلك مما لم يتوافر إلا في القرآن الكريم.

و إليك بعض الأمثلة القرآنية التي توضح هذه الظاهرة و تجليها:

أنظر إلى قوله تعالى في وصف كل من الليل و الصبح {وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ} ... ألا تشم راحة المعنى واضحًا من كل هاتين الكلمتين: عسعس، و تنفس؟

ألا تشعر أن الكلمة تبعث في خيالك صورة المعنى محسوسا مجسمًا دون حاجة للرجوع إلى قواميس اللغة؟

و هل في مقدورك أن تصور إقبال الليل، وتمدده في الآفاق المترامية بكلمة أدق و أدل من (عسعس) .

و هل تستطيع أن تصور انفلات الضحى من مخبأ الليل و سجنه بكلمة أروع من (تنفس)

أقرأ قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ}

و ادرس الأداء الفني الذي قامت به لفظة (أثاقلتم) بكل ما تكونت به من حروف، و من صورة ترتيب هذه الحروف، و من حركة التشديد على الحرف اللثوية (الثاء) و المد بعده، ثم مجيء القاف الذي هو أحد حروف القلقلة، ثم التاء المهموسة، والميم التي تنطبق عليها الشفتان، ويخرج صوتها من الأنف، ألا تجد نظام الحروف، وصورة أداء الكلمة ذاتها أوحت إليك بالمعنى، قبل أن يرد عليك المعنى من جهة المعاجم.؟ ألا تلحظ في خيالك ذلك الجسم المثاقل، يرفعه الرافعون في جهد فيسقط في أيديهم في ثقل؟ ألا تحس أن البطء في تلفظ الكلمة ذاتها يوحي بالحركة البطيئة التي تكون من المثاقل؟

جرب أن تبدل المفردة القرآنية، و تحل محلها لفظة (تثاقلتم) ألا تحس أن شيئًا من الخفة و السرعة، بل و النشاط أوحت به (تثاقلتم) بسبب رصف حروفها، و زوال الشدة، وسبق التاء قبل الثاء؟ إذن فالبلاغة تتم في استعمال (أثاقلتم) للمعنى المراد، ولا تكون في (تثاقلتم) .

لقد بلغ القرآن الكريم السمو فوق أنماط التعبير الأخرى في ألفاظه التي اختيرت بعناية بليغة، فائقة الإعجاز في ذاتها، وفي نظمها مع أخواتها، وفي إصابتها المنتهى في الدلالة على المعنى، وما تحمله من خفة وجرس إيقاعي بديع.

فإن القرآن العظيم تأنق بإسلوبه في ألفاظه وما فيها من دقة في أداء المعنى وكأنه لم تخلق لهذا المكان من الجملة إلا هذه اللفظة بعينها.

وسوف نتناول في هذا المبحث بعض الظواهر الخاصة باللفظ القرآني والتي منها:

أولا: روعة اللفظ القرآني في نفسه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت