فهرس الكتاب
القرآن الكريم يبدع في اختيار ألفاظه ويستخدم كل لفظ حيث يؤدي معناه في دقة فائقة تكاد نؤمن معها بأن هذا المكان إنما خلقت له هذه اللفظة دون سواها ولذلك لا نجد في القرآن ترادفا بل كل كلمة تحمل إليك معنى جديدا.
حيث أن القرآن دعا الصحابة ألا يستخدموا كلمة وإن كانت توحي بأنها مرادفة لها حيث قال تعالى {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْأِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} فإن القرآن لم يتهاون في استعمال اللفظ ولكنه يرى التدقيق فيه ليدل على الحقيقة من غير لبس ولا تمويه.
ولما كانت كلمة"راعنا"لها معنى في العبرية مذموم، نهى الله المؤمنين عن مخاطبة الرسول - صلى الله عليه وسلم - بها فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا} فإن القرآن شديد الدقة فيما يختار من لفظ يؤدي به المعنى.
فإذا كان رب العزة يأمر بهذا التدقيق في اختيار اللفظ المناسب في المكان المناسب على ألسنة عباده يعلمهم. فحاشاه أن يضع سبحانه وتعالى في كلامه لفظة في غير مكانها جل في علاه، وقد جاءت براعة اللفظ القرآني في نفسه في صور عدة منها.
1 -خفة اللفظ والنطق به.
لقد كانت ألفاظ القرآن أعلى درجات الفصاحة والبلاغة وهاك أمثلة على ذلك.
قال تعالى: {و َجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ} فإنه لو قال مكانه: وثمر الجنتين قريب، لم يقم مقامه من الجناس بين الجنى والجنتين، ومن جهة أن الثمر لا يشعر بمصيره إلا حال يجنى، ومن جهة مؤاخاة الفواصل. بالألف والنون في سورة الرحمن.
ومنها قال تعالى: {وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ} فإن (تتلو) أحسن من التعبير (تقرأ) لثقله بالهمزة.
ومنها قوله تعالى: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ} (لا ريب فيه) أحسن من (لا شك فيه) لثقل الإدغام في الكاف ولهذا كثر استخدام الريب على الشك. حيث جاءت ريب سبعة عشر مرة ومع تصريفاتها ستة وثلاثون مرة أما الشك فإنه ذكر فقط بدون تصريف خمسة عشر مرة.
ومنها قوله تعالى: {ولا تهنوا} فهي أخف من (لا تضعفوا) وقوله: {وهن العظم مني} (أخف من ضعف) و {آمن} (أخف من صّدق) .
ومنها {آثرك الله علينا} أخف من (فضّلك) {آتى} (أخف من أعطى) و {أنذر} (أخف من خوّف) و {خير لكم} (أخف من أفضل لكم) .
2 -وضع اللفظ في موضعه المناسب
بحيث لو وضع مكانه لفظ آخر لما أدى المعنى المقصود كما قال ابن عطية في تفسيره: إن كتاب الله تعالى لو نزعت منه لفظة ثم أدير لسان العرب على لفظة أحسن منها لما وجد. وهناك الكثير من الأمثلة نسوق بعضها.
قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ}
وقد سبق ذكر هذا المثال ))
وقال تعالى على لسان سيدنا هود عليه السلام: {قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ} فإن كلمة ... {أنلزمكموها} تصور جو من الإكراه بإدماج كل هذه الضمائر في النطق وشد بعضها إلى بعض ولو اخترنا أي لفظ في اللغة العربية للتعبير عن هذه الصورة لما وجدنا.
ومثلها قوله تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ