فهرس الكتاب

الصفحة 121 من 183

كَفُورٍ وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ فوقع كلمة (يَصْطَرِخُونَ) وجرسها الغليظ يخيّل إلينا غلظ الصراخ المختلط المتجاوب مع كل مكان، المنبعث من حناجر مكتظة بالأصوات الخشنة كما تلقى هذه الكلمة ظل الإهمال لهذا الاصطراخ الذي لا يجد من يهتم به ونلمح من وراء ذلك كله صورة العذاب الغليظ الذي هم فيه يصيحون. أي مشهد مروع مرعب هذا الذي ترسمه هذه الكلمة القرآنية في مكانها. فمن أين لنا بكلمة تقوم مقامها إلا هي.

مثال آخر ويطبّق الإمام الخطابي في رسالته في الإعجاز هذا الوجه على كلمة"فأكله الذئب"

التي جاءت على لسان أخوة يوسف عليه السلام: {قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ} هل ممكن أن نضع مكانها كلمة (افترسه) فهي في ظاهرها قد تبدوا أقوى من كلمة (أكله) وأكثر إفادة للمعنى، ولكن عند النظرة المتأنية نلاحظ أن كلمة (افترسه) لا يمكن أن تحل محل اللفظ القرآني لان الافتراس معناه في فعل السبع القتل فحسب، وأصل الفرس دق العنق _ وما أراد أخوة يوسف أن يقولوا ذلك، إنما أرادوا أن يقولوا إن الذئب قد أكله أكلا _ وأتى علي جميع أعضائه ولم يترك منه عظاما ولا لحما. ذلك أنهم خافوا مطالبة أبيهم إياهم بأثر باق منه يشهد بصحة ما ذكروه فادعوا الأكل ليزيلوا عن أنفسهم المطالبة وكلمة افترس لا يمكن أن تعطي المعنى الذي أعطنه"أكله".

أن نضع بعض المترادفات مثل (ليقتلوه) (ليرحموه) (لينفوه) (ليطردوه) (ليهلكوه) (ليبذلوه) كلا!! لا تستطيع أية كلمة أن تعطي صورة وإيحاء (ليأخذوه) التي عبر عنها القرآن الكريم {وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ} فكشف بها عن مدى ما يعتمل في نفوس أعداء الأنبياء فهم يريدون أن يأخذوه، ويصنعوا به كل ما ذكر من المترادفات وما هو أكثر من ذلك.

3 -اختصاص اللفظة في استخدامات خاصة:

تجد القرآن الكريم يستخدم اللفظ القرآني في مواطن ومناسبات خاصة فتصبح هذه الكلمات علامات على ذلك الاستخدام أمثلة:

مثال: يستخدم القرآن العظيم كثيرًا كلمة {يَعْلَمُونَ} في الأمور التي ترجع إلى العقل.

كقوله تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ} لأن الذين آمنوا فكروا بعقولهم فوصلوا إلى هذه النتيجة المرضية والذين كفروا لم يفكروا بعقولهم بل بعواطفهم، وحكموا شعورهم الذي طبع على التقليد الزائف فضلوا السبيل.

قال تعالى: {وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ}

وقال تعالى: {إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ}

كما نجد أن القرآن المجيد يستخدم كلمة {تَشْعُرُون} في الأمور الحسية التي يكون للحواس صلة بها كقوله تعالى: {وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ} والعذاب مما يحس به الإنسان.

ومن مثله في القرآن الكريم {فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ} و {وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} و {وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا} و {لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ} و {وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ} والأمثلة كثيرة على هذا.

4 -حياء اللفظ القرآني عما يقبح التصريح به.

هناك كلمات كثيرة في القرآن الكريم جاء بها بديلًا عن كلمات يعف اللسان عن ذكرها أو يتحرج أن يقولها فكنّى عنها

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت