فهرس الكتاب

الصفحة 122 من 183

بألفاظ أخرى مثال ذلك: فهو يكني عما يكون بين الرجل وزوجه بألفاظ غاية في النزاهة والشرف فمرة يكني عنه بالإتيان وذلك في قوله تعالى: {نسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ}

ومرة بالرفث. قال تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ}

وأخرى بالتغشية قال تعالى: {فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ}

وتارة بالقرب {وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ}

وأخرى باللمس {أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ}

كما كنى عنها بالمس في موضعين قَالَتْ {رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ} و {وقَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا}

وكذلك كنى عنه بالنكاح في مواضع كثيرة {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ} وكما يقول الراغب الأصفهاني:"أصل النكاح للعقد ثم استعير للجماع حتى قصد في موضع آخر الوطء وليس العقد لأن العقد في هذه الحالة كما أجمع الفقهاء لا يحل المرأة لزوجها الأول حتى يطأها الثاني ثم يطلقها عن رضا {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} "

هذا في حال الحلال ولكن في حال الوطء بالحرام استخدم كلمة الزنا وكلمات أخرى كثيرة مثل الفاحشة والبهتان والبغاء والسوء والسفاح حيثما قال: {وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا}

{وَاللَّاتِي يأتيان الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ}

{وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا}

{وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا}

{مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا}

{مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ}

5 -ألفاظ حسنت في القرآن عيبت في كلام العرب.

من ذلك كلمة"مقاعد"فقد عابها النقاد في شعر الشريف الرضي حيث قال:

أعزز عليَّ بأن أراك وقد خلت ... من جانبيك مقاعد العواد.

قال ابن سنان الخفاجي في سر الفصاحة بنقده:"فإيراد - مقاعد - في هذا البيت صحيح إلا أنه موافق لما يكره ذكره في مثل هذا الشأن لا سيما وقد أضافه إلى من يحتمل إضافته إليهم. وهم العواد ولو انفرد لكان الأمر فيه سهلًا فأما إضافته إلى ما ذكره ففيها قبح لا خفاء فيه"فهي تخالف الذوق وصحة المعنى.

وقد وردت هذه الكلمة في القرآن الكريم {وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ} فقد جاءت عذبة رشيقة وكذلك في موضع آخر من القرآن قال تعالى: {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ}

فالمقاعد هنا في موضعين بمعنى المنازل، ولا يمكن أن يفهم منهما المعنى الذي من أجله كره النقاد استعمال هذه الكلمة لأنها لم تضف إلى ما يمكن أن يفهم من إضافتها إليه ذلك المعنى المستكره. وذلك سر الجمال في هذين الموضعين.

مثال آخر كلمة (تؤذي) فقد عابوها في قول المتنبي:

تلذ له المروءة وهي تؤذي ... ومن يعشق يَلُذُّ في الغرام

والسبب أن الشاعر قطع الكلمة -وهي ثقيلة- عن الإضافة على عكس من كلمة (مقاعد) فإن عيبها جاء في إضافتها ولو أضافها لخفف من ثقلها.

وقد جاءت في القرآن في مواضع هي حسنة رائقة، وذلك في قوله تعالى: {إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ}

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت