فهرس الكتاب

الصفحة 123 من 183

لذلك كانتا هذه الكلمة هنا أجمل منها في بيت المتنبي والحكم في ذلك للأذن الموسيقية.

ومن ذلك كلمة (ضِيزَى) وهي أغرب ما في اللغة من كلمات ولقبح هذه الكلمة لم يستعملها عربي فيما وصل من أقوال أو أشعار العرب، ومع ذلك فإنك تجد لها من الحسن في القرآن أضعاف ما ترى لها من القبح والغرابة في غيره.

قال تعالى: في سورة النجم موبخًا أهل الشرك {أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى، تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى} ولحسن هذه الكلمات في هذا الموضع عدة اعتبارات:

1 -أن السورة التي وردت فيها فاصلة لإحدى أيها ألفية الفواصل فجاءت الكلمة ذات نغم صوتي ملتئم. مع فواصل السورة. ولو وضع موضعها (جائرة) وهي قسيمتها في الدلالة لجارت على الموضع وفاتت المناسبة وحسن الجوار فكانت (ضِيزَى) قمة الالتئام والتناسق الصوتي والذي لا يخفى أثره.

2 -أنها جاءت معلقة على سلوك معيب حيث جعلوا لله الإناث- سبحانه-ولهم الذكور مع الإصرار على قتلهم الإناث.

3 -أن الآية الأولى اشتملت على استفهام إنكاري والآية الثانية اشتملت على التهكم وهما مقياس متناسبان الأول مقدمة للثاني.

4 -العجيب في هذه اللفظة نظمها مع نفسها وائتلافها مع ما قبلها إذ هي مقطعان أحدهما مد ثقيل والآخر مد خفيف وقد جاءت عقب غنتين في (إذًا) و (قسمة) أحدهما خفيفة حادة، والأخرى ثقيلة فكأنها بذلك ليست إلا مجاذبًة صوتية لتقطيع موسيقي وهذا معنى رابع للمعاني الثلاثة الأولى كما قال الرافعي في إعجاز القرآن.

5 -وقال الرافعي أيضا أن هذه الكلمة الدالة على هذه المعاني الأربعة هي أربعة حروف.

ثانيًا: الاختيار الدقيق للألفاظ المترادفة.

إن لغة العرب غنية بالمترادفات حتى أفرد لها بعض العلماء والمصنفات مثل"الألفاظ المترادفة المتقاربة المعنى"للرماني. وكتاب الأصمعي"ما اختلفت ألفاظه واتفقت معانيه"وكتاب"القريب المصنف"للقاسم بن سلام وكتاب"الألفاظ"لابن السكيت وكثيرون

1 -فمثلًا لفظة (الخوف) ، (الوجل) يذكر الرماني من مترادفاتها الخوف، الوجل، الذعر، الرعب، الروع، الفزع، النخب، الخشية، الفرق، الوجيب، الهيبة، الوهل، الرجاء، الإشفاق، الحذر. هذه أربعة عشر كلمة يسردها الرماني في كتابه (الألفاظ المترادفة المتقاربة المعنى) نحاول أن نسوق الألفاظ التي جاء ذكرها في القرآن وننظر كيف استخدمها القرآن في مواطن مختلفة حسب كل لفظة ودلالتها في موضعها

قال تعالى: {تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} فقد جاءت هذه الجملة في القرآن في آيات كثيرة حتى بلغت"أربعة عشر مرة"وهي في مجملها تعني الخوف ضد الأمن قال تعالى: {وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا} وقال تعالى: {أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ} وقد شمل هذا الخوف المذكور الدنيا والآخرة.

2 -وجاءت كلمة (الوجل) بالتأنيث تارة {يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ} وبالجمع {إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلامًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ} وبالفعل الماضي {الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} و {والَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} في آيات الخوف قد وقع الخوف في النفوس وأراد الله أن يطمئن هذه النفوس ويرفع عنها الخوف وآثاره من الحزن إن كان في الدنيا أو الآخرة أما في حال الوجل فهو استشعار بخوف قادم أو إحساس بقرب ما يخوفهم فهم عندما تتلى عليهم آيات الله تستشعر القلوب بالرهبة والمهابة من كتاب الله فتجل إجلالًا لله وكلامه الذين جاءوا على هيئة البشر ولكن لهم سلوك ليس مثل فأيدهم لا يمتد إلا الطعام فهم لا يأكلون والذين نقدم له الطعام ولا يطعم منه يشك في أمره فبدأ سيدنا إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - يوجل منهم. هؤلاء الذين آمنوا من صفاتهم أنهم عندما يعملون أعمال البر يخافون من عدم القبول فتكون قلوبهم وجلة يقول الماوردي: وجل العارف من طاعته أكثر من وجلة من مخالفته لأن المخالفة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت