فهرس الكتاب

الصفحة 125 من 183

تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ و {وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ} وهكذا جاء هذا المرادف لمعنى الخوف في مواضع كثيرة في القرآن في صور ومع معاني كثيرة. لتبين مدى تنوع استخدام القرآن للمعاني والألفاظ المتقاربة والمترادفة فكل واحدة منها في مقامها.

6 -الرَّجَاء: ظن يقتضي حصول ما فيه مسرة وقوله تعالى: {مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا} قيل ما لكم تخافون. وقال تعالى: {لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا} أي لا يخافون قال ثعلب:"أنشد أبو ذؤيب الهذلي"

إذا لسعته الدبر لم يرج لسعها ... وخالفها في بيت نوب عواسل.

أي لم يخش لسعها.

وشرح ابن عرفة هذا شرحًا حسنًا فقال: كل راج مؤمل ما يرجوه، خائف فواته فللراجي حالتان، فإذا انفردت إحداهما وهو الخوف-اتبعته العرب حرف نفي وقوله: {مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا ... } ووجه ذلك أن الرجاء والخوف يتلازمان. ذكره الراغب في المفردات والسمين الحلبي في عمدة الحفاظ.

7 -الإشفاق: قال الراغب: الإشفاق عناية مختلطة بخوف؛ لأن المشفق يحب المشفق عليه ويخاف ما يلحقه قال تعالى: {وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ} فإذا عدى بمن فمعنى الخوف فيه أظهر، وإذا عدى بفي فمعنى العناية فيه أظهر قال تعالى: {إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ} وهكذا قال تعالى: {وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ} {وتَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِم}

8 -الحذر- قال السمين الحلبي: أصله التحرز من الشيء المخيف المهلك. فهو أخص من الخوف. قال تعالى: {حَذَرَ الْمَوْتِ} أي خوفه. وقوله تعالى: {وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ} أي يخوفكم ويذكركم عقابه وما يتوعدكم به. ويأتي بمعنى أخذ الحيطة والحذر والأمان قال تعالى: خذوا حذركم) قال الراغب أي ما فيه الحذر من السلاح وغيره {هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ} أي احتاط من مكرهم وخداعهم. وقال: {إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ} أي احذر منهم أن يبخلوك أو يجبنون عن العمل في سبيل الله أو إن يحرفوك عن الجادة والصواب.

9 -التوجس: الوجس الصوت الخفي، والتوجس التسمع والإيجاس وجود ذلك في النفس، قاله الأصفهاني

قال تعالى {فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً} وفي موضع آخر قال: {فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ} إن هذا الإحساس النفسي الداخلي عن سيدنا إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - من الملائكة عندما قدم إليهم الطعام ولم تمتد إليه أيديهم خافهم وأسر هذا في نفسه منهم فسألهم {قَالَ أَلا تَأْكُلُونَ} حتى يستوضح الأمر ويطمئن تجاه هؤلاء الضيوف. فحدثت إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - نفسه وهكذا من الخوف فهو منكرهم ولا يعرفهم.

أما ما جاء في نفس سيدنا موسى - صلى الله عليه وسلم - من التوجس عندما رأى فعل السحرة وحبالهم وهي تسعى ... {فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى قُلْنَا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى} فأراد الله أن يشعره بالأمان فقال له لا تخف إنك أنت الأعلى.

وهذا حتى يزيل ما في نفسه من الخوف الذي كمن فيها.

وبعد فهذه تسع ألفاظ مترادفة متقاربة المعنى وجدنا القرآن يختار لكل موقف أو مقام واحدة مناسبة حسب حجم ونوع ومصدر الخوف إنه كلام الله المعجز وأسلوبه البديع وألفاظه المنتقاة.

ثالثًا: إفادة اللفظ أكثر من معنى حسب السياق:

في الفقرة السابقة وجدنا الألفاظ المختلفة تؤدي المعنى الواحد ولكن على درجات حسب الموقع والسياق مع الفروق الدقيقة بينها وإن كان ظاهرها يدل على معنى واحد وهو الخوف.

أما هنا فإن اللفظ واحد يتكرر في آيات القرآن حسب السياق وفي كل موضع يفيد معنى مستقل فكيف حاز القرآن هذا الثراء في استخدام اللفظ الواحد في وجوه عديدة وقد ألف السلف الصالح وأفرد هذا الموضوع في مصنفات جمعوا فيها

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت