فهرس الكتاب

الصفحة 129 من 183

2 -الذم والهجاء:

ويقرب من مقام التهديد والوعيد، مقام الهجاء والذم ومن أمثلته قوله تعالى: وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ) القلم 10 - 16

ومثله: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ .... لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ} الغاشية 1 - 7

ومثله: {وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ .... هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ} الواقعة 41 - 56

3 -الترغيب

فإن القرآن إذا خرج عن مقامات التهديد والوعيد والذم والهجاء إلى الترغيب والتوجيه أو العتاب والتنبيه فإن مسلكًا غير هذا المسلك. وسبيلًا غير تلك السبيل.

فانظر إليه في مقام الترغيب كيف يقول: {وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}

تطل علينا الآيات بوجه غاية في الترغيب وإثارة فعل الخير في النفوس حتى تتفق وتبذل لمن يستحق بكلمات غاية في السلامة والعذوبة والانسياب فإن مطلع الآية (أولو الفضل) مدح لهم وإثارة لكوامن الخير في النفس ثم عطف عليها كلمة (السعة) وكل ذلك فيه تذكير بنعمة الله عليه لأن السعة والفصل توجبان شكرهما كنعمتين أنعمها الله على العبد {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} فلا يكون ذلك إلا بالإتقان على المستحقين.

وجاء التعبير بـ (أولى القربى) و (المساكين) و (المهاجرين في سبيل الله) جاء بها إثارة للعطف والحنان الكامن في النفس وبدأ بـ (أولى القربى) ثم بعد أن عددهم قال (وليعفوا وليصفحوا) وهي محور الآية وسبب نزولها تحث النفوس أن تزيل كل عائق عن الإنفاق ثم يأتي الحث أشد قوة ترغيبًا في العفو الجميل والصفح والتسامح حتى ترتبط بربها ولا تنسى أن الله صاحب الفضل والرحمة والمغفرة. وهكذا فإن السامع لهذه الكلمات تمتلئ جوانب نفسه وقلبه بالشعور بالأمن والمغفرة تمحو كل خطاياه فينطلق متفقًا في السر والعلانية كما فعل أبو بكر الصديق رضي الله عنه مع مسطح.

ويسلك القرآن هذا المسلك إذا وصف مادحًا. ونكتفي بمثال واحد فيه غناء أيما غناء: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإنجيل كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا}

ما أجملها من صورة حية بهيجة ومنظر رائع ترسمه كلمات الآية مبدعة أجمل لوحة تترك للخيال التحليق حول هذا الحب والالتفاف من صحابه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حوله وصفاتهم الإيمانية التي يحلم كل سامع أن تخلد عبر العصور.

4 -العتاب:

إن القرآن الكريم ينتهج في العتاب نهجًا فريدًا. جامعًا فيه بين العذوبة والرقة والقوة وهذان أمران لا مناص منهما في كل عتاب ناجح. لأن العتاب مقام يقتضي نوعين من المعاني والألفاظ لأنه لا يكون إلا عن تقصير أو خطأ. هذا أحد سببه الأقوى، ولا يكون إلا حين يرجى من العاتب عود إلى الصواب.

وعتاب القرآن الذي يهمنا هنا في موضعين:

أولهما: عتاب الله لرسوله - صلى الله عليه وسلم -.

ثانيهما: عتاب الله للمؤمنين.

وفي كلا النوعين جاء غايةً في إصابة الهدف وتحقيق المراد من ذلك لاشتماله على الخاصتين المذكورتين: تذكير قاس بما كان مما يستوجب العتاب، وإغراء على الرجوع إلى الحق والحث عليه بما يثيره النص من بوارق الأمل وأسباب العفو.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت