فهرس الكتاب
وللألفاظ كما للعبارات ظلال خاصة يلحظها الحس البصير حينما يوجه إليها انتباهه، وحينما يستدعي خياله صورة مدلولها الحسية.
-"مثال ذلك: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا} فالظل الذي تلقيه كلمة (فَانْسَلَخَ) يرسم صورة عنيفة للتملص من هذه الآيات، لأن الانسلاخ حركة حسية قوية."
-ومثله {فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ} فلفظ (يَتَرَقَّبُ) يرسم هيئة الحذر المتلفت ولا نغفل هنا أنه خائف (يترقب فِي الْمَدِينَةِ) موضع الأمن والاطمئنان عادةً. وإن كان هذا خاصًا بالتعبير كله
3 -الدلالة بالحرس والظل معًا:
وقد يشترط اللفظ بجرسه وظله في الدلالة على رسم الصورة والمعنى المقصود ومثال ذلك قوله تعالى: {يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا} فلفظ الدع يصور مدلوله بجرسه وظله معًا، ومما لاحظ هنا أن (الدع) هو الدفع في الظهور بعنف، وهذا الدفع في كثير من الأحيان يجعل المدفوع يخرج صوتًا غير إداري، صوت عين مشددة ساكنة هكذا (اعّ) وهو في جرسه أقرب ما يكون إلى جرس الدع) وفي ظله الذي يرسم مدى العنف والبطش في دفع الكفار إلى نار جهنم من قبل زبانية جهنم.)
-ومثله {خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ} فالعتل جرس في الأذن وظل في الخيال يؤديان المدلول للحس والوجدان.
وكذلك قوله تعالى: {كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ} وتأمل الصورة تأملًا تدرك منه سر الاختيار لهذه الكلمات: (حُمُرٌ) و (مسْتَنْفِرَةٌ) و (فَرَّتْ) و (قَسْوَرَةٍ) وإذا وصلت إلى ذلك أدركت إلى أي مدى كان تشرد الحمر المستنفرة إذا هاجمهم الصياد أو الأسد المفترس وهم يشردون خائفين منها لما فيها من نذر تطير منها قلوبهم التي غمرها الشيطان بغوايته ونفوسهم التي أسرها الهوى بضلاله. وكلمة (مسْتَنْفِرَةٌ) تزيد المعنى دقة ووضوحًا لأن من الحمر حمرًا أهلية تأنس إلى من تراه وليست هذه منها بل هي مستنفرة تفزعها مجرد الرؤية بل الطلب وتوقع الخطر. وكذلك كلمة (فَرَّتْ) تبين مدى الهروب والسرعة فيه حتى أنهم لم يمشوا بل انطلقوا وكأنهم طائر لا تلمس أقدامهم الأرض هربًا.
وقد اشترك الظل والجرس من خلال هذه الأمثلة وهذه الألفاظ والأمر جد دقيق للتفريق بين هذه الدلالات منفردة أو مجتمعة.
خامسًا: تعايش اللفظ مع جو الآيات.
ومما يتصل بهذا المعنى أن ألفاظ القرآن تأتي عنيفة قوية في مقام التهديد والوعيد وما شابه ذلك، ورقيقة عذبه في الترغيب والتبشير وما أشبههما هادئة ثرية في مقام التشريع والتوجيه وما قاربهما.
-من أمثلة التهديد والوعيد:
قال تعالى: {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا إلى عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ} فانظر إلى عنف الكلمات إلى أي مدى يصل. وإن العنف ليبلغ مداه في مواطن الحكم من النص في وذلك في موضعين: {سَأُرْهِقُهُ صَعُودا سَأُصْلِيهِ سَقَرَ} وقد بدأ النص بكلمة أعنف ما تكون في هذا الموضع: (ذرني) ويا ويل من كان هذا تهديدًا له. إنهن كلمات قاتلات أوقع في النفس من أمضى سلاح.
ومثله: {وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا} تأمل هذا النص ثم أنعم نظرك في هذا التعبيرات (وذرني والمكذبين) - (ومهلهم قليلا) - (أنكالًا وجحيمًا) - (طعامًا ذا غصة) - (عذابًا أليمًا) - (ترجف الأرض والجبال) - (يجعل الولدان شيبًا) - (أخذًا وبيلًا) - (منفطر به كان وعده مفعولًا) ألم تجدها ذاهبةً في القوة والإرهاب إلى أبعد أثر.
والأمثلة كثيرة في القرآن نكتفي بهذا فإن المقام ليس مقام استقصاء