فهرس الكتاب

الصفحة 181 من 183

الشرح الأدبي:

ما أجمل الإسلام رسالة الهداية والإصلاح، ودين السماحة واليسر!! وما أسمى تعاليمه الحكيمة التي تدعو إلى الرفق واللين في النصح والإرشاد وإلى معالجة المشكلات الاجتماعية بطريق الرأفة لا الغلظة، وبأسلوب اللين لا الشدة! ولا عجب فهذا أدب أدّب الله به الرسول الكريم وخاطبه بقوله:"ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك" [1] وعلمه الرسول صلوات الله عيه لأصحابه حين قال لهم"إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين". هذا هو أعرابي يدخل مسجد الرسول طط فيتنحى طائفة منه يقف يتبول، لا يعرف هذا الأعرابي أمور الدين، ولا يدري حرمة المساجد التي أمر الله أن تعظم وتطهر .. يظن هذا الأعرابي أن المسجد كبقية الأماكن، ليس هناك ما يمنع من التبول فيه أو قضاء الحاجة، وليس له من عذر إلا أنه جاهل، ويرى أصحاب الرسول هذا المنظر المؤذي، منظر الأعرابي يتبول في المسجد، فيسرعون نحوه يريدون ضربه وتأديبه، لأنه أساء إلى حرمة بيت الله، ويأمرهم الرسول الرحيم بالكف عنه وعدم إيذائه أو ضربه، لأن الجاهل ينبغي أن يعلم لا أن يضرب، فإن الضرب ينفر ولا يؤدب والرسول الكريم يقول"بشروا ولا تنفروا، ويسروا ولا تعسروا"يأمرهم الرسول بعدم التعرض له بمسبة أو أذى، ويكلفهم أن يريقوا على بوله دلوا من الماء تطهيرا للمكان من النجاسة، ثم يدعو الأعرابي فيعلمه برفق ولين، ويرشده إلى أن هذا بيت من بيوت الله عز وجل، لا يليق بالمسلم أن يحدث فيه أذى، أو يعرضه لنجاسة، ويتلطف معه عليه الصلاة والسلام حتى يشعر الأعرابي من نفسه بخطئه ويندم على عمله، ويطلب من الرسول الكريم العفو والسماح، وهنا يقبل الرسول على أصحابه مرشدا لهم إلى طريق الرفق في الدعوة، واللطف في المعاملة، قائلا لهم"إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين".

وقد جاء في بعض الروايات الصحيحة أن ذلك الأعرابي حين أراد الخروج من المسجد ركب ناقته ثم قال:"اللهم ارحمني ومحمدا ولا ترحم معنا أحدا"، وذلك لأنه رأي اللطف من الرسول الكريم على خلاف أصحابه حينما هجموا عليه ليضربوه، وسمعه الرسول يقول ذلك فقال له:"لقد حجرت أي"ضيقت واسعا يا أخا العرب"يريد منه أن يعم بدعوته لا أن يخصها بنفسه وبرسول الله فقط، ولو أن المسلمين تمسكوا بهذا الخلق الرفيع ـ من الرفق في الدعوة، وحسن النصح والإرشاد ـ لعاشوا سعداء ولما كانت بينهم مشاحنات، ولوصلوا إلى الغاية المنشودة من أقرب طريق .."

وهكذا يكون أسلوب الدعوة وأسلوب النصح والتذكير وخاصة مع الجاهل، فلله ما ألطف أخلاق الرسول، وما أروع تربيته، وما أحوج المسلمين إلى مثل هذه التربية الحميدة الرشيدة التي تخرج العظماء والأبطال!!

(1) سورة أل عمران، الآية: 159

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت