الثالث: إطلاق اسم الكل على الجزء (نحو يجعلون أصابعهم في آذانهم) أي أناملهم، ونكتة التعبير عنها بالأصابع الإشارة إلى إدخالها على غير المعتاد مبالغة من الفرار، فكأنهم جعلوا الأصابع (وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم) أي وجوههم لأنه لم ير جملتهم (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) أطلق الشهر وهواسم الثلاثين ليلة، وأراد جزءًا منه، كذا أجاب به الإمام فخر الدين عن استشكال أن الجزاء يكون بعد تمام الشرط، والشرط أن يشهد الشهر وهو اسم لكله حقيقة فكأنه أمر بالصوم بعد مضي الشهر وليس كذلك. وقد فسره علي وابن عباس وابن عمر على أن المعنى: من شهد أول الشهر فليصم جميعه وإن سافر في أثنائه. أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم وغيرهما، وهو أيضا من هذا النوع، ويصلح أن يكون من نوع الحذف.
الرابع: عكسه نحو (ويبقى وجه ربك) أي ذاته (فولوا وجوهكم شطره) أي ذواتكم إذ الاستقبال يجب بالصبر (وجوه يومئذ ناعمة ووجوه يومئذ خاشعة. عاملة ناصبة) عبر بالوجوه عن جميع الأجساد لأن التنعم والنصب حاصل لكلها (ذلك بما قدمت يداك بما كسبت أيديكم) أي قدمت وكسبت، ونسب ذلك إلى الأيدي لأن أكثر الأعمال تزاول بها (قم الليل- وقرآن الفجر -واركعوا مع الراكعين- ومن الليل فاسجد له) أطلق كلًا من القيام والقراءة والركوع والسجود على الصلاة وهو بعضها (هديا بالغ الكعبة) أي الحرم كله بدليل أنه لا يذبح فيها.
تنبيه ألحق بهذين النوعين شيئان:
أحدهما: وصف البعض بصفة الكل كقوله (ناصية كاذبة خاطئة) فالخطأ صفة الكل وصف به الناصية وعكسه كقوله (إن منكم وجلون) والوجل صفة القلب (ولملئت منهم رعبًا) والرعب إنما يكون في القلب.
والثاني: إطلاق لفظ بعض مراد به الكل، ذكره أبوعبيدة وخرج عليه قوله (ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه) أي كله (وإن يك صادقًا يصبكم بعض الذي يعدكم) وتعقب بأنه لا يجب على النبي بيان كل ما اختلف فيه بدليل الساعة والروح نحوها، وبأن موسى كان وعدهم بعذاب في الدنيا وفي الآخرة فقال: يصبكم هذا العذاب في الدنيا، وهو بعض الوعيد من غير نفي عذاب الآخرة، ذكره ثعلب. قال الزركشي: ويحتمل ايضًا أن يقال، إن الوعيد مما لا يستنكر ترك جميعه فكيف بعضه؟ ويؤيد ما قاله ثعلب قوله (فإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا مرجعهم.)
الخامس: إطلاق اسم الخاص على العام نحو (إنا رسول رب العالمين) أي رسله
السادس: عكسه نحو (ويستغفرون لمن في الأرض) أي المؤمنين بدليل قوله (ويستغفرون للذين آمنوا)
السابع: إطلاق اسم الملزوم على اللازم.
الثامن: عكسه نحو (هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة) أي هل يفعل؟ أطلق الاستطاعة على الفعل لأنها لازمة له.
التاسع: إطلاق المسبب على السبب نحو (ينزل لكم من السماء رزقًا- قد أنزلنا عليكم لباسًا) أي مطرًا يتسبب عنه الرزق واللباس لا يجدون نكاحًا أي مئونة من مهر ونفقة ومما لا بد للمتزوج منه.
العاشر: عكسه نحو (ما كانوا يستطيعون السمع) أي القبول والعمل به لأنه مسبب عن السمع.
تنبيه من ذلك نسبة الفعل إلى سبب السبب كقوله (فأخرجهما مما كانا فيه- كما أخرج أبويكم من الجنة) فإن المخرج في الحقيقة هو الله تعالى، وسبب ذلك أكل الشجرة، وسبب الأكل وسوسة الشيطان.