لذلك كان لابدّ من رسم معالم هذه البدائل، وتوضيح فروق دلالاتها، حتَّى ينتقي منها منشاء الكلام لكلامه ما هو الأحكم بيانًا، والأفضل لتحقيق ما يريد توصيله من معاني، رجاء أن يكون كلامه أكثر بلاغة، وأتقن اختيارًا، وأوفى دلالة على المعاني التي يريد التعبير عنها.
(2) دواعي اختيار النكرة
عرفنا أنّ النكرة ثلاثة أقسام:
القسم الأول: ما يطلق على القليل والكثير، معناه شائع في جنسٍ أو نوع، أو صنف، أو نحو ذلك، مثل:"ماء - تراب - ريح".
وهذا القسم يراد منه غالبًا المعنى الشائع قلّت وحداته أو كثرت، وعند إرادة تحديد الكميّة أو وصفها بالقلة أو الكثرة أو نحوهما يُضاف في البيان ما يُراد بيانه.
ولامعنى لجمع هذا القسم ما دام يطلق على القليل والكثير، إلاَّ إذا أريد بالجمع الأنواع أو الأصناف أو نحو ذلك.
القسم الثاني: ما يطلق على مفرد شائع دون تعيين، وهذا القسم صالح لأن يراد به معنى الجنس أو النوع أو الصنف أو نحو ذلك، وأن يراد به معنى الإِفراد على وجه الخصوص، وفي هذه الحالة يحسن تأكيد معنى الإِفراد بالوصف بأنه واحد، ومنه قول المشركين في تعجُّبهم من فكرة التوحيد التي جاء بها الرسول صلى الله عليه وسلم {أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَاهًا وَاحِدًا} ؟.
قال الله عزَّ وجلَّ في سورة ص/):
{أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَاهًا وَاحِدًا إِنَّ هَاذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (5) } .
القسم الثالث: ما يُطلق على أكثر من مفرد، ومعناه شائعٌ في مَثَانٍ أو جُمُوع، وهذا القسم صالح لأَِن يُرادَ به معنى الجنس أو النوع أو الصف أو نحوهما، وأن يراد به معنى التثنية أو الجمع على وجه الخصوص، وفي هذه الحالة يحسُنُ تأكيد معنى التثنية بالوصف بنحو"اثنين"ومنه قول الله عزَّ وجلَّ في سورة (النحل/) :
{وَقَالَ اللَّهُ لاَ تَتَّخِذُوا إِلاهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلاهٌ وَاحِدٌ فَإيَّايَ فَارْهَبُونِ (51) } .
في هذا المثال نلاحظُ تأكيد التَثْنِيَة في المثنى النكرة بوصفه بلفظ"اثنين"، ونلاحظ تأكيد الإِفراد في المفرد النكرة بوصفه بلفظ"واحد"، لأنّ المراد التنبيه على أنّ التثنية والإِفراد هما المرادان على وجه الخصوص، أمّا في النكرة التي هي جمع فقد يحسن تخصيصها بنحو قليل أو كثير، مثل قول الله عزَّ وجلَّ في سورة (الفرقان) :
{وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَآءِ مَآءً طَهُورًا (48) لِّنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَآ أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا (49) } .
فخصَّص"أَنْعَامًا وأناسِيَّ"وكلِّ منهما نكرةٌ جمْعٌ، فوصفهما بفلظ"كثيرًا".
وإذا كان المراد تحديد عدد معين وُصِفَتِ النكرة الجمع بما يُبَيِّن العدد، ومنه قول الله عزَّ وجلَّ في سورة (الواقعة) : {وَكُنتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاَثَةً (7) } .
أي: وكنتم أيها الناس يوم القيامة أصنافًا ثلاثة: هم أصحابُ الميمنة، وأصحابُ المشأمة، والسّابقون المقربّون.
بعد تحديد معالم النكرات يَحْسُنُ بيانُ دواعي اختيار النكرة في الجملة الكلامية.
تفصيل دواعي اختيار النكرة:
وفيما يلي عرض دواعي اختيار النكرة:
الداعي الأول: الجهل بما يُعَرِّف المذكور بقسم من أقسام المعرفة، فيلْجأ المتكلم إلى التنكير، بإطلاق اسم غير مُعَيّن من أسماء النكرة، وهذا الاسم النكرة ينطبق على المتحدّث عنه وينطبق على غيره، مّما يشاركه في الصفات العامة،