ويحصل بإيراد النكرة تخصيصٌ ما، وهذه فائدة تُقْصَدُ في الكلام، فمن قال لأبيه مثلًا: جاءنا رجلٌ وسأل عنك، فقد أفاده أنَّ سائلًا ما سأل عنه، وأنّ هذا السائل هو من صنف الرجال، لا من صنف النساء.
الداعي الثاني: أن يقصد المتكلم عدم تعيين من يتحدث عنه، وتظهر هنا عدّة أغراض:
* منها أن يكون تعيينُه زائدًا على ما يقصد المتكلم بيانه، مثل تعيين اسم الرجل الذي جاء من أقصى المدينة يسعى ليقول لموسى عليه السلام: إنَّ الملأ يأتمرون بكَ ليقتلوك، لذلك لم يذكر الله اسمه، فقال تعالى في سورة (القصص) :
{وَجَآءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يامُوسَى إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (20) } .
ومثل تعيين اسم الرجل الذي جاء لينصر المرسلين الثلاثة في أنطاكية، ويدعو قومه لاتباعهم، ويُعْلِنُ أمام قومه إيمانه، فانتقموا منه فقتلوه، لذلك لم يذكر الله اسمه، واكتفى بذِكْر أنَّه رَجل، فقال تعالى في سورة (يس) :
{وَجَآءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ ياقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20) اتَّبِعُوا مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُّهْتَدُونَ (21) } .
* ومنها إرادة إخفاء شخص المتحدّث عنه، لمصلحةٍ يراها مُنْشِاء الكلام، والمصالح من الإخفاء كثيرة يصْعُبُ حصْرُها، كالخوف عليه، وكالتشويق إليه، وكانتظار المناسبة الملائمة للمفاجأة به.
ومن أمثلة إرادة الإِخفاء أوّلًا ما كان من أخت موسى عليه السلام، بعد أن وضعته أمّه وهو رضيع في صندوق وألقته في اليمّ، إذْ تَتَبَّعته حتى التقطه آل فرعون، وتعلّق قلب امرأة فرعون به، ورفض أن يرضع من المراضع اللائي جُلِبْن له، وكانت تتابع أمره فعرضت على الذين يبحثون له عن مرضعة ترضعه وتكفله، فقالت لهم كما جاء في سورة (القصص) :
{هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ (12) } .
فقد جاءت بلفظ"بيتٍ"نكرةً، وقالت"أَهْلِ بَيْتٍ"ولم تَقُلْ مُرْضعة، لتلاحظ مدى استجابتهم للعرض، ولتُبْعِدَ الشبهة عن أن تكونَ أُمُّه في هذا البيت، خوفًا على أخيها وأمّها، فلمَّا استوثقت من تلهفّهم، وصدق رغبتهم، وَأَنَّهُم لمْ يشْعُروا بأنّها ذات علاقةٍ ما بالطفل، دلَّتْهُمْ وأخَذَتْ بهم إلى أمِّها، فالْتَقَم ثدْيَها وشَرَعَ يَرْضَعُ برغبةٍ تامّة.
الداعي الثالث: أن يكون مراد المتكلّم ذكر واحد غير معين من الجنس أو النوع أو الصنف، كأن يقول الراغب في الزواج:"أريد زوجة"فهو يبحث عن زوجةٍ ما تناسبه، وهذه غير معينة في ذهنه. وكأن يقول طالب دابّة لسفره:"أريد فرسًا"فهو يبحث عن فرس ما مناسبة دون تعيين.
ومنه قول إخوة يوسف حينما تآمروا للتخلّص منه: {أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا} أي: أرضًا ما بيعدة دون تعيين، حتَّى يضلّ أو تأكله الوحوش.
قال الله عزَّ وجلَّ في سورة (يوسف) :
{إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ (8) اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ (9) } .
وهذا الشاهد يصلح أيضًا لإِرادة من الأرض غير معيّنة بذاتها، لكنّها نوعٌ ذات وصف خاص، فهي أرض بعيدة نائية مجهولة مَنْ طُرِح فيها ضلُّ وتعرَّض لِلْهَلاَك.
الداعي الرابع: قد يختار المتكلم النّكرة قاصدًا بالتنكير التكثير، وتدلُّ القرائن على قصد التكثير، وإذْ دَلَّتِ القرائن عليه