والمعهود في الذكر قد يكون مذكورًا صراحةً باللّفظ، وقد يكون مذكورًا على سبيل الكناية.
* فمن أمثلة المذكور صراحة بلفظه ما يلي:
قول الله عزّ وجلّ في سورة (المزمل) : {إِنَّآ أَرْسَلْنَآ إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَآ أَرْسَلْنَآ إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (15) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا (16) } .
وَبيلًا: أي: شديدًا.
فاللاّم التي في (الرسول) عهديّة، ونلاحظ أنّه يمكن أن يقع الضمير موقع لفظ الرسول فيقال: فعصاه فرعون، ويلاحظ أن اختيار المعرّف باللام العهديّة هنا إرادة ذكر لفظ الرّسول لبيان شناعة معصية فرعون لرسول ربّه.
* قول الله عزّ وجلّ في سورة (النور) : {*اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ} .
فاللاّم في"الْمِصْبَاح"وفي"الزجاجة"عهديّة، ونلاحظ أنَّه يمكن أن يقع الضمير موقعهما، فيقال: فيها مصباح هو في زجاجة هي كأنها كوكبٌ دُرِّي. ولكِنْ تَضْعُفُ فنيَّةُ الأداء البياني لو استخدم الضمير بدل الْمُعَرَّف باللاّم، فالداعي هنا جماليّ.
ومن أمثلة المذكور على سبيل الكناية ما يلي:
* ما جاء في قول الله عزَّ وجلَّ في سورة (آل عمران) : {إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (35) فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَآ أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (36) } .
إنَّهُ لم يسبق ذكر لفظ الذَّكَرِ صراحةً، لكنه سبق ذكره على سبيل الكناية، لأنّها قالت: {إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا} وعتق الوليد لخدمة بيت المقدس لم يكن إلاَّ للذكور، فلفظ"ما"في كلامها قد كَنَّتْ به عن وليد ذكر، فلمَّا جاء الوليد أنْثَى قالت: {وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى} .
النوع الثاني: اللاّم التي للعهد الذهني: ويُسمَّى أيضًا"العهد الْعِلْميّ"وهي التي سبق العِلْمُ بالمعرَّف بها.
وهو قسمان: معهود ذهنًا بشخصه المعيّن. ومعهود ذهنًا بحَقيقته ضمن فرد مُبْهَم غير معَيّن بشخصه، والمعرَّفُ بهذه اللام للدّلالة على حقيقته ضمن فرد مبهم لفظٌ يعامل معاملة المعرفة، ولكن معناه يُعامَلُ معاملة النكرة، لأن المعهود بها غير معيَّنٍ بشخصه.
ومن أمثلة المعهود ذهنًا بشخصه المعين مايلي:
* قول الله عزّ وجلّ في سورة (طه) : {فَلَمَّآ أَتَاهَا نُودِيَ يامُوسَى (11) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (12) } .
إنّه لم يَسْبِق ذِكْرٌ للفظ"الوادي"لكن سبق العلم به، فهو معهود ذهنًا، فاللاّم المعرّفة له هي للعهد الذهني"= العهد العلمي".
* وقول الله عزّ وجلّ في سورة (التوبة) خطابًا للمؤمنين تحريضًا لهم على نصرة الرسول:
{إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ ... } .
إنَّه لم يسبق ذكر للفظ"الغار"لكن سبق العلم به، فهو معهودٌ ذهنًا، فالاّم المعرّفة هنا هي للعهد الذهني"= العهد العلمي".
* وقول الله عز وجلّ في سورة (الفتح) : {*لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (18) } .
فالشجرة مَعْهُودَةٌ ذِهْنًا، دون أن يسبق في النصّ لها ذكر.