المثال الأول: قول الله عزّ وجلّ في سورة (آل عمران) بشأن فريق من اليهود:
{وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللًّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (78) } .
جملة: {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} جملةٌ حالية قُدِّمَ فيها المسند إليه على المسند الفعلي لتقوية الإِسناد فيها وَتأكيده، لأنّ مقتضى الحال يستدعي التقوية والتأكيد.
والسبب في ذلك أنّ هؤلاء كانُوا يكتبون مكتوبات يزعُمُون أنَّها ممّا أنْزَل اللهُ في الكتُب على رسُلِهِمْ، ويتخذون مع ذلك حيلةً لترويج ما كتبوه وافتروهُ على اللهِ بغية أن يقبله عوامُّهم، وهي أن يَلْوُوا ألْسِنَتَهُم به لدى تلاوته، كما يفعلون لدى تلاوة ما أَنْزَل الله من كتاب، فيخلطون المدسوس الذي هو من افترائهم بالأصل الصَّحِيح، للإِيهام بأنّه من كتاب الله، وهم بذلك يقولون على اللهِ الكذب، ويعلمون ذلك من أنفسهم.
مع ما في تأخير المسند من داعٍ جمالي في اللّفظ، وهو مراعاة التناظر في رؤوس الآيات قبل الآية وبعدها.
المثال الثاني:
قول الله عزَّ وجلّ في سورة (الحجرات) :
{ياأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُو ا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13) } .
فإنّ في المسند إليه"أكرمكم"الذي هو اسم"إنَّ"تشويقًا للتعرّف على الخبر وهو"أتقاكم"فإذا جاء الخبر بعد ذلك تمكن من النّفس لأنه جاء بعد تساؤلٍ نَفْسِيٍّ عنه.
المثال الثالث:
قول الله عزّ وجلّ في سورة (النمل) :
{وَحُشِرَ لِسْلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْس وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (17) } .
فَهُم يُوزعون: أي فهم يُجْمعون في مكان جامعٍ، ويُرَتَّبُونَ صفوفًا ويُسَوَّوْن بانتظام، للقيام بما يكلفون من أعمال، أو للاستعراض.
أصل الوزْعِ: الكفُّ والحبْسُ، والمراد كفُّهم - بترتيبهم صفوفًا منتظمةً - عن التفرق والانتشار، ومعلوم أنّ الجنود حينما يُجْمعون صفوفًا مُسوَّاة منتظمة يسْهُل توجيهُ الأوامر والنواهي لهم للتحرّك والتوقف، من قِبَلِ وليّ أمرهم القائد.
وقد جاء تقديم المسند إليه في هذه الجملة لتأكيد الخبر باعتباره أمرًا غريبًا، إذْ من المستغربِ أن يُجْمَعَ جَيْشٌ واحدٌ في مكان جامعٍ، ويُنَظَّمَ صفوفًا مُسَوَّاةً، وأن يكون جُنُودُ هذا الجيش من الجنّ والإِنْسِ والطير.
مع ما في تأخير المسنَدِ من داعٍ جماليٍّ في اللّفظ، وهو مراعاة التناظر في رؤوس الآيات.
المثال الرابع:
قول الله عزّ وجلّ في سورة (الحجر) بشأن القرآن:
{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9) } .
يُلاحظُ في هذا الآية تقديم المسند إليه، باختيار كون الجملتين فيهما اسميّتَيْن خبرُهما يتحمّل ضميرًا يعود على المسند إليه فيهما.
ويظهر لنا من هذا التقديم عدّة دواعي بلاغية: