الداعي الثالث: مراعاة النسق الجمالي اللفظي، في قوافي الشعر، وسجْعِ النثر، وفواصلِ رؤوس الآيات في القرآن.
والأمثلةُ على هذا الداعي كثيرة منها:
قول الله عزّ وجلّ في سورة (الحاقة) : بشأن الكافر الذي يؤتَى كتابه بشماله يوم القيامة:
{خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (30) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (31) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (32) إِنَّهُ كَانَ لاَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (33) } .
جاء في هذا النص تقديم المعمول مرّتين، لمراعاة الجمال في رؤوس الآيات في السورة، مع ما في الموطنين من البدء بإلقاء الرعب في قلوب الكافرين المجرمين.
(6) دواعي تقديم بعض معمولات الفعل على بعض في الجملة ولو تكافأت مرابتها
من شأن البليغ دائمًا أن يتصرف في رصف وترتيب عناصر جملته التي يُنشِئُها تصرُفًا حكيمًا وفنيًّا، يراعي فيه جوانب بلاغية معنوية، أو جوانب جمالية معنويّة أو لفظية.
وفي مجال ترتيب عناصر الْجُمَل في الكلام تظهر براعة كبار البلغاء والأدباء، وتتفاوت مراتبهم، وفوق كلّ القمم ترتقي جوانب الإِعجاز القرآني في رصف عناصر الجملة، وترتيبها، ورصف عناصر الجمل وترتيبها، كما ترتقي في كلّ مجال فكريّ وبلاغي.
ومع احتمال أن تتوارد هنا دواعي كثيرة من الدواعي التي سبق بيانها في دواعي تقديم المسند إليه، ودواعي تقديم المسند، ودواعي تقديم متعلقات الفعل، وأن يُقاس على أمثلتها، فيحسن أن نورد هنا بعض الدواعي، مع بعض الأمثلة.
فمن الدواعي هنا ما يلي:
الداعي الأول: إرادة الترقّي من الأدنى إلى الأعلى، أو العكس، أو إرادة البدء بالظاهر، فما يتصل به من الأسباب، وهكذا تسَلْسُلًا إلى الأسباب الباطنة الخفيّة، حتى السبب الأوّل، أو البدء بما هو بمنزلة الأساس فما يتصل به. وهكذا تدرّجًا إلى الأعلى فالأعلى حتى القمة.
ومن أمثلة التدرج من الأدنى إلى الأعلى قول الله عزّ وجلّ في سورة (فاطر) مبينًا مراتب ودرجات المؤمنين:
{ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذُنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (32) } .
والأغراض الداعية إلى ذلك كثيرة لا تحصر، فمنها ما هو بَيَانٌ لفكرةٍ ومنها ما هو الأفضل في التعليم، ومنها ما يُحقّقُ فوائد تربوية ومنها جماليٌّ فنيٌّ، إلى غير ذلك.
ومن أساليب العرب أن يَبْدؤوا في المدح بالصفة الدّنيا، ثمّ يرتقوا إلى الأعلى فالأعلى، وأن يبدؤوا في الذّم بالصفة الأَخَسّ، ثم يذكروا الأخفّ فالأخف.
وجاء في تعبيرات القرآن المجيد تقديم الأشياء الصغيرة على الكبيرة، للدلالة على تأكيد الشمول، من خلال الإِشعار بالاهتمام بالصغير، وأنّه ليس مما يُهْمَل ويُتَسامح بعدم العناية به، كما يقول البائع هذا بخمسةٍ وألف، فيقول الراغب في الشراء، ألا تبيع بألف، فيقول له: الخمسة قبل الألف.
ومنه قول الله عزّ وجل في سورة (القمر) :
{وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (52) وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُّسْتَطَرٌ (53) } .
فدلّ تقديم"صَغير"على أنّ الشُّمُول في كتابةِ كلّ الأفعال متحقق دون استثناء ما يراه الناس صغيرًا ومن المحتقرات.
وجاء في تعبيرات القرآن البدء بما يقَعُ في مُدْركات الناس من الأشياء الصغيرة، والعطف عليها بما هو أصغر منها، فما