ونظير هذا كثير في القرآن مثل: {وإِلَيْكَ أنَبْنَا - إنّا إلى ربّنَا رَاغِبُونَ - فَإِلَيْنَا يُرْجَعُون - ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ - إِلَيْه يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيّبُ - وإلى اللهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ -} .
(5) قول الله عزّ وجلّ في سورة (البقرة) : خطابًا للمؤمنين أتباع الرسول محمد صلى الله عليه وسلم:
{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ... } [الآية 143] .
لِتكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاس: جاء في هذه العبارة تأخير المعمول {عَلَى النَّاسِ} على عامله"شُهداء"وفق أصل الترتيب، إذ لا يُوجَدُ داعٍ للتقديمِ، إذْ أتباع محمّد صلى الله عليه وسلم مكلّفون أن يُبَلِّغوا رسالة الله للناس، ليكونوا يوم يوم القيامة شهداء عليهم بهذا التبليغ، وليست شهادتهم بعد تبليغهم خاصة بناس دون ناس، لأنّ الخطاب لعموم المؤمنين، والمطلوب تبليغهم عموم غير المؤمنين، لا خصوص فريق منهم.
وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا: وجاء في هذه العبارة تقديم المعمول {عَلَيْكُمْ} وعلى عامله {شَهِيدًا} على خلاف أصل الترتيب، لوجود داعي بلاغيّ لهذا التقديم، وهو أنّ بلاغَ الرسُولِ صلى الله عليه وسلم بلاغٌ مخصوص بالْقَرنِ الأَوَّل الَّذِينَ بلَّغَهُمْ مُشَافهة من أُمَّتِه، أمَّا الَّذِين جاءوا من بعدهم فقد بلَّغهم المبلِّغُون من أهل القرن الأول، وهكذا تسلْسُلًا قَرْنًا بعْدَ قرن.
فقد تنبّه إلى الفرق بين العبارتين في هذه الآية وإلى الداعي البلاغي الذي ذكرتُه"الزمخشريُّ"في كشّافه، وقد أحسن.
(6) قول الله عزّ وجلّ في سورة (مريم) في بيان ما خاطب به المبشر من الملائكة زكريّا عليه السلام بغلام اسمه يحيى، بعد إن أظهر له تعجُّبه من أن يأتيه غلام في حالة كون امرأته عاقرًا وكونه قد بلغ من الكبر عتِيًّا:
{قَالَ كَذلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا (9) } .
هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ: في هذه الجملة تقديم المعمول {عَلَيَّ} على عامله {هَيِّنٌ} لإفادة أنَّ ما يراه أمْرًا صعبًا في مقاييس القدرات البشرية، هو بالنسبة إلى الله على وجه الخصوص هيِّنٌ، فاقتضى حال زكريَّا عليه السلام وتعَجُّبه وتساؤله أن يُنَبَّهَ على أنَّ ما تعجَّبَ منه هو ممّا اختصَّ الله بِأنَّه هَيِّنٌ عليه.
ملاحظة:
إذا كان العامل منفيًّا وقدّم عليه المعمول كانت دلالة التقديم على التخصيص والحصر أمرًا لازمًا، فلا يَجُوز أنْ تُتْبَعَ الْكَلاَمُ بما يَنْقُضُ هذا الحصر، فلا يُقالُ نحو:"ما زَيْدًا ضَرَبْتُ ولاَ غَيْرَه"لأنّ عبارة"ما زيدًا ضربتُ"تدلُّ على تخصيص زيد بعدم ضربه، لكنَّها تُفيدُ أَنَّه قَدْ ضَرَبَ غيره، فتأتي عبارة"وَلاَ غَيْرَه"ناقضةً للدّلالة التي أفادها التخصيص.
الداعي الثاني: الاهتمام بشأن المقدّم أو الإِشعار بالاهتمام به كأنْ تُوصِيَ مَنْ طلَبَ منْكَ أنْ تنصحه فتقول له:
"بِوالدَيْكَ كُنْ بَرًّا، ثُمَّ كُنْ بَرًّا بالأَقْرَبَيْن والأرحام".
وتَقْوَى اللهِ الْزَمْ في أَمْرِكَ كُلَّه، ثُمّ تَزَوْدْ فوق ذلك من الصالحات.
والشِّركَ احْذَرْ أَنْ يُخَالِطَ نِيَّتَكَ في أَعْمالِكَ.
في هذه الوصايا قُدِّم المعمولُ على عامله لتوجيه الاهتمام وبالغ العناية، ولم يُقدَّم لإِفادة التخصيص والحصر.
* ومن الأمثلة قول الله عزّ وجلّ في سورة (السجدة) : {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلاَ تَكُن فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآئِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ (23) وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (24) } .
قوله تعالى: {بِآيَاتِنَا} معمولٌ مقدَّمٌ على عامله وهو {يُوقِنُونَ} وَقُدِّمَ لِلإِشْعَارِ بأَهَمّيَةِ آيَاتِ اللهِ في حيَاةِ البْشَر، وبقيمَتِها العظيمة في رحلة امتحانهم، فالإِيقانُ بها هو الذي يُصَحِّحُ مسيرتهم ويُقوّمُ سُلوكهم، وليس الغرض حصر الإِيقان بها، فأركان الإِيمان التي يجب الإِيقان بها لا تقتصر على آيَات الله.
مع ما في تأخير {يُوقِنُونَ} من مراعاة عنصر جماليٍّ تستدعيه رؤوس الآيات.