فهرس الكتاب

الصفحة 88 من 183

مثاله

قول الله عزّ وجلّ في سورة (المائدة) : بشأن عذاب الذين كفروا يوم القيامة.

{وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (36) } . {وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ (37) } . {وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (41) } .

جاء في هذه النصوص تقديم المسند وهو {لَهُمْ} على المسند إليه وهو {عَذابٌ أليم - عذابٌ مقيم - عذاب عَظيمٌ} لئلا يسبق إلى التوهّم أن المسند قد سيق على سبيل النعت للمسند إليه، وأن الخبر لم يأتِ بَعْدُ، مع ما في هذا التقديم من مراعاة داعٍ جمالي في اللفظ، اقتضته رؤوس الآيات.

(5) دواعي تقديم متعلقات الفعل عن مراتبها

ذكر عُلَمَاءُ البلاغة طائفةً من الدواعي البلاغية لتقديم ما هو من متعلقات الفعل عن مرتبته، ويمكن أنْ تضاف إليه طائفةٌ أُخرى مما سبق عرضه في تقديم المسند إليه، وتقديم المسند، وطائفةٌ أخرى ممّا تتفق عنه قرائح البلغاء والفطناء.

يُقْصَدُ من متعلقات الفعل المفعولُ به، والجارُ والمجرور، والظّرف، والمفعولُ المطلق، والمفعولُ معه، والمفعولُ لأجله، والحالُ، والتمييزُ في أحوال قليلة ونادرة.

الداعي الأوّل: إرادة التخصيص، وهو قَصْرُ الحكم (الناتج عن إسناد المسند إلى المسنَدِ إلَيْه) على المقدَّم من مُتَعَلّقات الفعل على الفعل أو ما في معناه، ممّا يعمل عمله، وتُسَاعد القرائن على اكتشاف إرادة التخصيص.

أمثلة:

(1) قول الله عزّ وجلّ في سورة (الفاتحة) : {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) } .

إيَّاكَ: في الجملة الأولى مفعول به مقدّم على فعله وهو {نَعْبُدُ} .

وإيَّاكَ: في الجملة الثانية مفعول به مقدّم على فعله وهو {نَسْتَعِينُ} .

وقد أفاد هذا التقديم تخصيصَ وحَصْر عبادة العابد الذي يتلو هذه الآية باللهِ عزَّ وجلّ، المخاطبِ بضمير الخطاب {إِيَّاكَ} وتخصيص وحصْر استعانته به إذا استعان.

(2) قول الله عزّ وجلّ في سورة (البقرة) :

{يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (40) وَآمِنُوا بِمَآ أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُمْ وَلاَ تَكُونُو ا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلاَ تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (41) } .

الشاهد في جُمْلَتَي {وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (40) } و {وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (41) } ففيهما تقديمُ المفعولِ بِه على فعله، وقد أفادَ هذا التقديم التخصيصَ والحصْرَ، والمعنى: لا ترهبوا غيري من الشركاء، ولا تتَّقُوا غيري من الشركاء.

(3) قول الميداني في مدح الرسول محمد صلى الله عليه وسلم:

*إِلَيْهِ مَدِيحًا سُقْتُ غُرَّ قَصَائِدِي * فَعَنْهُ عَرَفْتُ النُّورَ في ظُلُمَاتِي*

*وَفي حُبِّهِ السَّامِي أَجُودُ بمُهْجَتِي * فَذَلِكَ فَرْضٌ مِثْلُ فَرْضِ صَلاتِي*

*إذَا كَانَ ذُو الْعَرْشِ اصْطَفَاهُ عَلَى الْوَرَى * فحُبِّي لَهُ مِنْ مُسْعِدَاتِ حَيَاتِي*

إليه مَدِيحًا: معمول لفعل (سُقْتُ) مقدَّمٌ عليه لإِرادة التخصيص.

فَعَنْهُ: معمول لفعل (عَرَفْتُ) مقدّم عليه لإرادة التخصيص.

وفِي حُبِّهِ السَّامِي: معمول لفعل (أجود) مقدَّمٌ عليه لإِرادة التخصيص من دون سائر عباد الله.

(4) قول الله عزّ وجلّ في سورة (التوبة) : خطابًا لرسول محمد صلى الله عليه وسلم:

{فَإِن تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَاهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (129) } .

عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ: أي: أخُصُّهُ وَحْدَهُ بِتَوَكُّلي، وقَدْ فُهِمَ هذا من تقديم المعمول على عامله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت