فهرس الكتاب

الصفحة 94 من 183

كثر في القرآن الكريم إيضاح الأمور المعنوية بالصور المحسومة المرئية ومن ذلك:

-قوله تعالى: {لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ} يشبه الله عباد الوثن حينما يدعون إلههم ولا يرجع هذا الدعاء عليهم بفائدة، بمن ببسط كفيه للماء ليشرب فلا يصل الماء إلى فمه ما دامت كفاه مبسوطتان.

-وقوله تعالى: {وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً} يصور القرآن حال الكفار الذين يدعون أوثانهم فلا تفهم ولا تجيب بحال الناعق الذي يصوت للأغنام فلا تفهم منه إلا ردى الصوت.

-وقوله تعالى: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا} يصور القرآن ضياع أعمال الكفار بحيث لا يملكون لها ردًا بصورة الهباء المنثور

4 -تشبيه المحسوس بالمعقول:

هذا القسم من التشبيه موضع نقاش بين العلماء فمنهم من يقبله ومنهم من يرفضه فنرى العسكري يقول: وليس هذا التشبيه بالمختار ولو أن بعض الناس يستملحه لأنه أخرج ما يرى بالعيان إلى ما يعرف بالفكر. وهذا رأي جمهرة المتأخرين كالسكّاكي والخطيب، والرازي والحموي فإن تشبيه المحسوس بالمعقول عندهم غير جائز.

والسبب في ذلك: أن المعارف الحسية أساس المعارف العقلية والمعقول فرع المحسوس، ومعرفة المحسوس أيسر من تمثل المعقول. ولذلك يكون التشبيه جاري على غير الأصل المعروف.

-وقد أجازه الرماني مع استقباحه لأن التشبيه عنده حسن وقبيح. وأجازه ابن شقيق وابن سنان الخفاجي ووصفه ابن الأثير إلى أنه ألطف الأقسام الأربعة ويقول العلوي: هو من ألطف التشبيهات وأرقها لأنه إلحاق المعاني بالأمور المحسوسة المدركة في الظهور والجلاء فيصير في الحقيقة كان تشبيه محسوس بمحسوس وهنا نهاية البلاغة.

ومنه في القرآن قوله تعالى: {ِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُؤُوسُ ... الشَّيَاطِينِ}

وقوله تعالى: {إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ}

فإن صورة الشيطان المستقذرة والمنكرة في أذهان الناس وكذلك صورة الملائكة صورة جميلة كريمة مرسومة في أذهان الناس. لذلك شبه بالشياطين ما هو مكروه وشبه بالملائكة ما هو جميل محبوب.

ولما كانت صورة الشيطان أو الملك ذهنية اعتبروه من قبيل المحسوس بالعقول هذا رأي المجيزين. وقالوا طالما أنها موجودة في الذهن نزلت منزلة المحسوس فكان من قبيل المحسوس بالمحسوس وهذا رأي غير المجيزين مع استحسان هذه الصورة عند المجيزين واعتبروها من أحسن أوجه البلاغة.

ومثل ذلك قوله تعالى في وصف آكل الربا: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ} . قال الكشاف:"لا يقومون إن بعثوا من قبورهم إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان"، أي المصروع وتخبط الشيطان من زعامات العرب، يزعمون أن الشيطان يخبط الإنسان فيصرع، والخبط: الضرب على غير استواء كالخبط العشوائي. فورد على ما كانوا يعتقدون.

تقسيم باعتبار آخر:

ينقسم التشبيه باعتبار آخر إلى خمسة أقسام:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت