فهرس الكتاب

الصفحة 96 من 183

عَلَى شَيْء

وقوله تعالى: {مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ}

وجاءت هذه الصورة المطولة في أخرى قصيرة {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا}

وللتمثيل موضعان (أي ذكر لفظ مثل)

1 -أن يكون في مفتتح الكلام فيكون قياسًا موضحًا، وهو كثير في القرآن الكريم مثل قوله تعالى:"مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضعف لمن يشاء والله واسع عليم"

2 -ما يجيء لإيضاح وتقرير المعنى بعد تمامه، فيشبه البرهان الذي تثبت به الدعوى

كقول أبي العتاهية:

ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها ... إنّ السفينة لا تجري على اليبس.

قال تعالى: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} (البقرة:74) فإن القرآن بعد أن شبه بالتمثيل قسوة قلوب الكفار وأحوالهم بالحجارة أو قسوتها يبين بعد ذلك حال الحجارة على أنها أرق وأكثر خشية من الله، إظهارًا لشدة قسوة قلوبهم وعدم النفع منها وفيها فالنفع في الأنهار وخروج الماء والخشية من الهبوط فجاء هذا البيان لإيضاح المعنى وتقريره بعد أن كملت صورة التمثيل والتشبيه مقدمًا.

اختلاف الأذواق في قبول التشبيه

وخلود تشبيهات القرآن

اقتضت ظروف العرب، ومعيشتهم القاسية طول الترحل. والإقامة في الصحراء فكانوا إذا أقبل الليل، وأظلم الجو، تخيروا جبلًا عاليًا وأوقدوا في قمته نارًا، تهدي الضال وتؤنس الساري حتى إذا لجأ إليها وجد عندها الأمن والقرى.

فقامت الخنساء جعلتها مثلًا وشبيهًا لأخيها صخرًا.

وإن صخرًا لتأتم الهداة به ... كأنه علم في رأسه نارُ.

فهذا التشبيه عندما يسمعه العربي بطرب له. ويترنح لهذه الصورة التي قصد بها تمجيد صخر.

لكننا اليوم في زماننا المعاصر لا نشعر بجمال هذه الصورة لأنها ليست عندنا فلا نطرب لها. لأننا نسير في الصحراء فلا نجد نارًا ولا نبحث عن نار فيها.

وتختلف الأذواق من بيئة لأخرى فقد جاء الشاعر على بن الجهم الذي نشأ بخراسان، وقد وفد على المتوكل ببغداد أنشد في مدحه:

أنت كالكلب في حفظك للودْ ... وكالتيس في قراع الخطوب

أنت كالدَّلو لا عدمناك دلوًا ... من كبار الدلاء كثيرًا الذَّنوب.

فقد همّ بعض الحاضرين بقتله، لكن الخليفة قال: خلِّ عنه فذلك ما وصل إليه علمه ومشهودة، وأنس في الشاعر قوة الشاعرية وسحر البيان، وطبعاُ أصلًا في إنشائه فإنه يحمل ثقافة البادية والصحراء فهو لم ير المدينة والحضارة.

فقام الخليفة فأسكنه قصرًا على شاطئ دجلة فيه بستان وجسر قريب منه فكان يخرج إلى محلات بغداد فيرى حركات الناس ومظاهر مدنيتهم. فأنشد رائيته البديعة وقد بدت فيها روح الرصافة وعبيد بغداد وكأنه في سالف دهره ما شبه بالكلب ولا تغن بالتبس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت