فإن كان هذا يزعم بنفسه أنه قوي، وأنه يطيق عددًا من البشر، فإنه لا يطيق أحدًا من الملائكة. قال تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلاّ مَلائِكَةً} [المدثر: 31] . أي لم يجعلهم بشرًا أو جنًّا. {وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاّ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} [المدثر: 31] . {وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} . أي: الكافرون. {مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا} [المدثر: 31] . فهم يفترون وبهذا يتقالُّون هذا العدد. كيف أن هذه النار العظيمة التي بها كل هذه الخلائق لا يقوم عليها إلا تسعة عشرة.
قال تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاّ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا} [المدثر: 31] . فما يعلم عظمة الملائكة وما يعلم ما عند الله من جنود السماوات والأرض إلا الله، لا يعلمهم هؤلاء الكفار ولا غيرهم.
ثانيًا: والملائكة خِلْقَتُهم عظيمة، فقد ذكر الله تعالى ذلك في قوله: {الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ} [فاطر: 1] . يعني: منهم من له جناحان، ومن له ثلاثة أو أربعة أجنحة، ومنهم من له أكثر من ذلك، فقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم جبريل وله ستمائة جناح، كل جناح منها سدَّ الأفق، هذا ملك واحد من الملائكة، وصفه الله بأنه شديد القوى فقال تعالى: {عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى} [النجم: 5] . يعني جبريل عليه السلام وقوله تعالى: {ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى} [النجم: 6] . يعني ذو قوة وهيئة حسنة.