البغض والحب: قوتان مؤثرتان ينبثق منهما الولاء والبراء، وتعودان معًا إلى المحبة التي هي أصل ذلك وقاعدته؛ إذ لا يوجد البغض إلا لمحبة ولا يزول إلا لمحبة. فالمحبة والإرادة أصل في وجود البغض والكراهية وعلة لها، وبينهما تلازم مستحكم لا تنفصم عراه أبدًا [1] .
ومنه يتبين لنا سر اقتران الحب بالبغض في قوله صلى الله عليه وسلم:"أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله"، وتتضح قيمة الحديث حولهما، ويزداد ذلك وضوحًا: أن كلمة التوحيد الخالدة"لا إله إلا الله"تلزم كل من نطق بها، وآمن بما دلت عليه، واعتقد معناها؛ أن يرفض أي صلة تقربه إلى أعداء الله، ويخلع الولاءات الجاهلية على مختلف صورها، مهما كان الإغراء والامتياز. وتدعوه في الوقت ذاته إلى تقوية وتعميق علاقته بإخوانه المسلمين، واقتصار ولائه وانتمائه لهم دون غيرهم؛ لتخلق مجتمعًا متماسكًا تحوطه الطمأنينة، وتشع في جنباته روح الأخوة والتعاون؛ ولتجنب أفراد الأمة مغبة الولاء المشبوه.
ولو حاولنا أن نعقد شيئًا من المقارنة بين المجتمع الإسلامي الأول ومجتمعنا المعاصر؛ لنتعرف ولو على جانب من أسباب انحسار المد الإسلامي، واضطراب حياة المسلمين، وتحولهم من أمة فاعلة ومؤثرة إلى شعب عامر بالتناقضات.
لوجدنا أن في مقدمة الأسباب: تحطم مبدأ الولاء والبراء، وضياعه في خضم القومية والعرقية وغيرها من الانتماءات البالية. الأمر الذي قاد الأمة بسهولة إلى الاستعاضة عن دينها وقيمها، بما استوردته من قيم وأخلاق وقوانين أبعد ما تكون عن طبيعة تكوينها وظروف حياتها. وكان من جرائه ظهور أعراض هذا المرض الخطير على أخلاق الناس وسلوكهم، وأصبح ينادي بزوال المجتمع الإسلامي، وانزواء مبادئه وقيمه العليا إلى دائرة المثالية البعيدة عن الواقع.
وهذا ما يخطط له كل عدو للدين، ويثابر من أجله، ويسعى جاهدًا إلى تثبيته في النفوس بشتى الوسائل.
حتى إذا ما أحكموا الطوق عليها؛ انفرجت أساريرهم الغبراء، ولم يلتفتوا إلى أي عدو آخر.
ونحن الآن بكل أسف!! نعيش بوادر هذا الحصار الخانق، ونسمع بين حين وآخر من ينادي إلى نبذ الدين، ويصم أخلاقه وقيمه بالتخلف، ويصفها بالعادات والتقاليد؛ لينتزع احترامها من النفوس ويمهد لنبذها.
ونراه يدعو بصفاقة إلى الارتماء في أحضان الغرب المنحل، والاغتراف من مستنقعه النتن.
وما درى المسكين أنه
(1) ينظر"جامع الرسائل" (قاعدة في المحبة) : (2/ 195 وما بعدها) .