الصفحة 15 من 39

المبحث الثالث

الحل الإسلامي للقضية البيئية:

المطلب الأول

ضبط التصرف على قاعدة المصلحة (العامة) المعتبرة

في آيات متعددة بين الله تعالى أن الأرض بمواردها إنما هي أمانة في عنق الإنسان يشترط فيها استثمارها على نحو لا يخل بتوازنها، ولا يستنزفها أي يستأصل شيئًا من أنواعها أو يقربه من الفناء، ومن ذلك قوله تعالى: {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ} {هود:61} .

وفي أحاديث عديدة أبرز رسول الله - أسوة متقدمة على عصرها في الحفاظ على الموارد البيئية، ورعاية تنوعها، نذكر من ذلك عندما حمى النقيع وعضاه المدينة، لا، بل إنه رتب عقوبة على من يقطع شيئًا من ذلك؛ روى عبد الرزاق في المصنف أنّ سعد بن أبي وقاص وجد إنسانا يعضد؛ فيخبط عضاهًا بالعقيق، فأخذ فأسه ونطعه، وما سوى ذلك! فانطلق العبد إلى سادته فأخبرهم الخبر، فانطلقوا إلى سعد، فقالوا: الغلام غلامنا فاردد إليه ما أخذت منه. -فقال سمعت رسول الله - يقول: (( من وجدتموه يعضد أو يحتطب عضاه المدينة بريدا في بريد فلكم سلبه ) )فلم أكن أرد شيئا أعطانيه رسول الله صلى الله عليه و سلم [1] .

ولعل مجادلًا يجادل في أن ذلك الحِمى كان لحرمة المدينة خاصة! فماذا يقول عن حماية رسول الله صلى الله عليه وسلم للموارد العامة من التلوث بمخلفات الإنسان، من مثل مارواه أبوهريرة أنه سمع رسول الله - يقول )) لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه [2] (( ،وكذلك ما رواه مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - «اتَّقُوا الْمَلاَعِنَ الثَّلاَثَ الْبَرَازَ فِى الْمَوَارِدِ وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ وَالظِّلِّ [3] » .

يقول د. عواد جاسم الجدي [4] :هذا الحديث الشريف قاعدة عظيمة وقانون من قوانين الأمن البيئي، حيث تسعى الدول المختلفة اليوم جاهدة لسن المزيد من هذه القوانين .. كما أشار (صلى الله عليه وسلم) إلى الموارد البيئية والنباتية حيث يعتبر المورد البيئي اليوم من الموارد الهامة التي تعرضت للتلوث والاستنزاف وتكلم الدكتور جاسم ببسط عن أهم البكتريا والجراثيم التي تنتقل مع مخلفات الإنسان إلى الموارد البيئية فتنشرالأوبئة والأمراض والإنتانات مثل:

السالمونيلات Salmonela spp والشيفلات الزحارية Shi-gella dysentariae وإنما أشار الرسول محمد صلى الله عليه وسلم إلى أهمية الموارد لأن الجرثومة الأكثر خطرًا على حياة ملايين الأطفال والتي أودت بأرواحهم في مجازر عديدة هي جرثومة الكوليرا Vibroio Cholereae ، وتؤدي إلى موت الطفل خلال أيام إذا لم يعالج؛ هذه الجرثومة تنتشر مع مخلفات الإنسان إلى المياه أو الهواء .. [5]

(1) الصنعاني، أبوبكر، عبد الرزاق بن همام، المصنف كتاب الأشربة باب حرمة المدينة.

(2) البخاري، أبو عبد الله، محمد بن إسماعيل، الجامع الصحيح، كتاب الوضوء باب البول في الماء الدائم.

(3) السجستاني، أبو داود سليمان بن الأشعث، السنن، كتاب الطهارة باب المواضع التي نهى النبي عن البول فيها.

(4) باحث في تنمية الموارد البيئية -الكويت. أنظر مجلة الوعي الإسلامي العدد 350 شوال 1415 هـ 1995 م.

(5) الجدي، د. عواد جاسم، الأمن البيئي من منظور إسلامي، الوعي الإسلامي العدد 350،شوال 1415 هـ-مارس 1995 م.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت