الصفحة 25 من 39

المطلب الثاني

أدوات الاجتهاد البيئي الأهم

هي أدوات فقه المآل من سد ذرائع ومصلحة مرسلة في إصدار فتاوى تنتظم (التنمية المستدامة) ، وتمهّد لإجراءات مدنية ـ أهلية وحكومية ـ تخدم التنمية المستدامة.

أما العمل على مسائل الأئمة دون مراعاة للضوابط المشددة التي وضعت على التخريج؛ فهو عمل مؤذن بالخروج على مقاصد التشريع، وغاياته في رعاية مصالح العباد، ومن المعلوم أنّ التخريج على مسائل الأئمة، وهي فرعية لاشك [1] ، قائم على تنقيح المناط وتخريجه، يقول أ. عبد الرحمن بن معمّر السنوسي:

"تحقيق المناط هو اجتهاد صرف؛ يقوم أساسًا على تحقيق المدلول الاقتضائي في المشخّصات الحصولية ذات الوجود الخارجي المحسوس."

ومبدأ المآلات يعتبر من موجهات هذا الاجتهاد وأسسه؛ لأنّ التعدية الآلية لا تنهض بتحقيق الثمرة النوعية له، ولا يمكنها التنسيق بين مقتضى الأحكام الأصلية، وبين ماصدقاتها الخارجية؛ لسبب محوري رئيس؛ هو عدم التفاتها إلى اختلاف الظروف المحتفة بالأشخاص والحوادث، واستخفافها بالآثار الحتمية لهذا الاختلاف والتمايز.

أضف إلى ذلك؛ أنّ أخذ الظروف الملابسة بعين الاعتبار يقتضيه أصل العدل في الإسلام؛ ذلك أنّ تهميش دورها في بناء الأحكام الاجتهادية ينتج عنه حتمًا الاختلال [2] البين في مصالح الخلق؛ مما يوحي بكون الشريعة لم تكن عادلة إلا مع أولئك الذين عايشوا التنزيل وعاصروا المرحلة النبوية من تاريخ التشريع؛ حيث راعت ظروفهم ... لاشك أنّ هذا الافتراض منفي تمامًا عن هذه الشريعة المباركة [3] ""

وما قاله أ. السنوسي، قاله من قبل الأصوليون في أبحاث التخريج من مثل شاه ولي الله الدهلوي (1176 هـ) الذي قال:

1 ـ لا ينبغي لمخرِّج أن يخرِّج قولًا لا يفيده نفس كلام أصحابه ولا يفهمه منه أهل العرف والعلماء باللغة، ويكون بناء على تخريج مناط أو حمل نظير المسألة عليها، مما يختلف فيه أهل الوجوه، وتتعارض الآراء، ولو أن أصحابه سئلوا عن تلك المسألة ربما لم يحملوا النظير على النظير لمانع، وربما ذكروا علةً غير ما خرَّجه هو وإنما جاز التخريج لأنه في الحقيقة من تقليد المجتهد، ولا يتم إلا فيما يُفهم من كلامه.

(1) هي المسائل الاجتهادية التي لم ترد فيها نصوص صريحة واضحة، أو وردت فيها نصوص ظنية دلالة وثبوتًا، أو ظنية ثبوتًا لا دلالة، أو ظنية دلالة لا ثبوتًا، وهذه المسائل هي التي تتسع لتعدد الآراء والاجتهادات، ولا ينكر فيها على المخالف، وفروع المسألة هي المسائل الجزئية التي تتفرع من المسائل الكلية والعامة. فالشهادة في النكاح مسألة فرعية؛ تفرعت عن كلية النكاح، عن سانو، د. قطب مصطفى، معجم اصطلاحات أصول الفقه، حرف الفاء مادة (الفروع) ص 317 - 318.

(2) الاختلال أو (الْفُرُوقَ: إنَّمَا تَنْشَأُ عَنْ رُتَبِ الْعِلَلِ وَتَفَاصِيلِ أَحْوَالِ الْأَقْيِسَةِ فَإِذَا كَانَ إمَامُهُ أَفْتَى فِي فَرْعٍ بُنِيَ عَلَى عِلَّةٍ اُعْتُبِرَ فَرْعُهَا فِي نَوْعِ الْحُكْمِ لَا يَجُوزُ لَهُ هُوَ أَنْ يُخَرِّجَ عَلَى أَصْلِ إمَامِهِ فَرْعًا مِثْلَ ذَلِكَ الْفَرْعِ لَكِنَّ عِلَّتَهُ مِنْ قَبِيلِ مَا شَهِدَ جِنْسُهُ لِجِنْسِ الْحُكْمِ فَإِنَّ النَّوْعَ عَلَى النَّوْعِ مُقَدَّمٌ عَلَى الْجِنْسِ فِي النَّوْعِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ اعْتِبَارِ الْأَقْوَى اعْتِبَارُ الْأَضْعَفِ وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ إمَامُهُ قَدْ اعْتَبَرَ مَصْلَحَةً سَالِمَةً عَنْ الْمُعَارِضِ لِقَاعِدَةٍ أُخْرَى فَوَقَعَ لَهُ هُوَ فَرْعٌ فِيهِ عَيْنُ تِلْكَ الْمَصْلَحَةِ لَكِنَّهَا مُعَارَضَةٌ بِقَاعِدَةٍ أُخْرَى أَوْ بِقَوَاعِدَ فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ التَّخْرِيجُ حِينَئِذٍ لِقِيَام ِالْفَارِقِ أَوْ تَكُونُ مَصْلَحَةُ إمَامِهِ الَّتِي اعْتَمَدَ عَلَيْهَا مِنْ بَابِ الضَّرُورِيَّاتِ فَيُفْتِي هُوَ بِمِثْلِهَا وَلَكِنَّهَا مِنْ بَابِ الْحَاجَاتِ أَوْ التَّتِمَّاتِ وَهَاتَانِ ضَعِيفَتَانِ مَرْجُوحَتَانِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأُولَى وَلَعَلَّ إمَامَهُ رَاعَى خُصُوصَ تِلْكَ الْقَوِيَّةِ وَالْخُصُوصُ فَائِتٌ هُنَا وَمَتَى حَصَلَ التَّرَدُّدُ فِي ذَلِكَ وَالشَّكُّ وَجَبَ التَّوَقُّفُ) .الإمام القرافي الفروق، ط 1 دار الكتب العلمية، الفرق الثامن والسبعون 2/ 186.

(3) السنوسي، عبد الرحمن، اعتبار المآلات، ص 61.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت