الصفحة 16 من 39

أردنا من عرض ما قاله الاختصاصي في البيئة الولوج إلى لب المذهب البيئي في الإسلام، وهذا المذهب تُعَبَّد الآن طريقه عبر عشرات الأبحاث والدراسات الإسلامية، وهذا مطلبنا القادم.

المطلب الثاني

التوازن البيئي هبة ربانية لا يجوز المساس بها

تقوم الأحكام الشرعية المتعلقة بأعيان البيئة (نقصد المحيط الطبيعي) على أساس اكتمال البيئة من قبل خالقها جلت قدرته لقوله تعالى: {الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ .. } {السجدة: 7} ، وعن قوله تعالى {الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا} {الفرقان:2} .،قال د. أحمد عبد الكريم سلامة: وهكذا فإن الله لم يخلق الطاقات الكونية، والموارد البيئية جزافًا دون ميزان أو حسبان .. إن كل موارد البيئة تخضع لقانون التوازن أو التعادل: الموارد الحية، كالنباتات والحيوانات، والموارد غير الحية .. كالطاقة الشمسية، والهواء، والماء، والتربة [1] .

ووظيفة الإنسان الحفاظ على هذا الكمال، فإن أدى بالإنسان نشاط ما إلى إتلاف مقصود غير مسوغ لمورد من الموارد ولو جزئيًا (الإسراف في الاستنزاف) دخل في نطاق المسؤولية الشرعية ديانة وقضاءً، لقوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} {الأنعام: 141} .

وسبحان الباري تعالى ما خلق داء إلا خلق له دواءً! فبيئتنا لو تركت كما حبانا الله تعالى إياها لعالجت التلوث الذي يصيبها بنفسها، لكنه الطغيان؛ سحق الموارد البيئية حتى باتت تستنجد، يقول صاحب كتاب الهندسة البيئية:

"من الحجج القوية والأكثر تأييدًا للاستعمال الواسع النطاق للمواد العضوية، كمخلفات الحيوانات والمخلفات النباتية للأراضي الزراعية؛ هي القدرة المتميزة للتربة على إبطال سُمّية وامتصاص المواد التي يمكن اعتبارها كمواد ملوثة إذا ما تم تصريفها في البيئات الهوائية والمائية ... يوجد عادة حد أقصى للمعدل الذي تستطيع به التربة أن تقوم بتحويل كيميائي معين. [2] "

المطلب الثالث

المسؤولية البيئية في الإسلام

1 ـ لازمة: من الإنسان عن نفسه وعن القاصرين الذين في كنفه أوالأعيان البيئية التي يملكها، يقول تعالى: {لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ} {النساء:84} .

2 ـ متعدية: من الراعي إلى الرعية، ومن جمهور المؤمنين وأفرادهم إلى بعضهم وإلى السلطة التي تظلهم، يقول تعالى: { .. وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} {المائدة: 2}

مسألة ـ الولاية البشرية على أعيان البيئة:

(1) سلامة، د. أحمد عبد الكريم حماية البيئة في الفقه الإسلامي، مجلة الأحمدية - دبي، ص 306 - 307 بتصرف يسير.

(2) عن جون و. مور، وإليزابيث أ. مور، الكيمياء البيئية، ترجمة أ. د. صابر المسماري، منشورات جامعة عمر المختار، البيضاء، ط 1، 2001 م، ص 495.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت