الصفحة 23 من 39

الفصل الثاني

الأسس الفكرية والعملية لحل الأزمة البيئية

المبحث الأول

خطوات الحل البيئي في الاعتبار الإسلامي

المطلب الأول

العناية بالبيئة التشريعية للقوانين الراعية للبيئة

إن الناظر في أسباب تدهور البيئة يلمح وراءها خللًا في فهم طبيعة الأحكام الراعية لعلاقة الإنسان بأعيان البيئة!

وما الخلل في الاستغلال البشري لموارد البيئة إلا مظهر من مظاهر الفساد العقدي والفقهي لدى جمهور الأمة؛ إذ العلاقة بالأرض منوطة بإباحة الباري تعالى للإنسان استغلال الأرض بشكل لا إفراط فيه ولا تفريط ويشهد لكلامنا قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} {الأنعام: 141} .

فترك الأرض الزراعية لتبور عمل يصل إلى الكراهة الشديدة لمخالفته السنة المؤكدة باستثمار الأرض، كما أن الاستغلال المفرط والمسرف للأرض وتربتها مكروه جدًا نظرًا إلى التعطيل المقبل للأرض المنهكة [1] ، أما إذا انضاف إلى ذلك إضافة السماد الكيماوي فالمأمول من المجامع الفقهية الإفتاء بحرمة ذلك نظرًا للضرر المؤكد في الصحة الآنية وفي الأمراض الوراثية، وفي الإخلال بالتوازن الحيوي عندما تؤدي هذه الأسمدة إلى قتل مجموعات من الأحياء وتشويه أنواع أخرى، ومن ثم ستتوالد مشوهة مؤذية، لا تؤدي دورها الذي أناطه الله تعالى بها ابتداءًا.

وقل مثل ذلك في الصناعات وما تفرزه من أضرار كيميائية تلوث الهواء والماء والتربة، إن الضرر الأكبر يلحق بالبيئة من خلال عمل محرم تؤديه هذه الصناعات.

فتهيئة فرص العمل، وتنمية الاقتصاد آنيًا لا يعني السماح بتخريب دائم، وقتلٍ ممنهج [2] للأبرياء من خلال الأمراض التي تنتج عن التلوث الإشعاعي أو الكيميائي في الأطعمة أو الهواء المستنشق، حتى غدا الحديث عن السرطانات والأمراض الغريبة شائعًا، بلا استغراب، وغدا إنسان اليوم كالذي يقف وسط حلبة صراع لا يعرف من أين تأتيه الضربات والأدواء!

(1) "ينتج عن الزراعة المتواصلة لأي نوع من هذه الترب (مراعي المناطق المعتدلة، ترب الغابات) نفس التأثير؛ فالمادة العضوية والعناصر الغذائية الأخرى تنضب بسرعة خلال السنوات القليلة الأولى من الزراعة، وتصل إلى حالة استقرار جديدة تتميز بتركيز منخفض من العناصر الغذائية بعد 50 ـ 100 عام من الزراعة المتواصلة، وعلى الرغم من إمكانية إضافة الأسمدة لتعويض النقص في العناصر الغذائية؛ غير أنها لا تستطيع استعادة بناء التربة والمسامية التي توفرها المادة العضوية المتحللة."عن جون و. مور، وإليزابيث أ. مور، الكيمياء البيئية، ص 491.

(2) يرجع الأصل اللغوي لـ (ممنهج) إلى (النهج) وهو الطريق الواضح، عن القاموس المحيط، وهو الطريق المستقيم، عن لسان العرب قال تعالى: (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا) [المائدة: 48] واصطلاحًا في الشأن التعليمي ولكنه يفيدنا هنا المنهاج كنظام: الكل المركب من مجموعة من العناصر، لكل منها وظائف خاصة به، وتقوم بينها علاقات تبادلية شبكية، تتضمن قوانين محددة، بحيث تؤدي نشاطًا هادفًا له علاقات تبادلية مع النظم الأخرى المرتبطة به عن السامرائي وزملاءه، وقد نقلنا جميع المادة العلمية-بتصرف- عن السويدي، د. خليفة علي، والخليلي، أ. د. خليل يوسف (المنهاج) ط 1 دار القلم -دبي 1417 هـ -1997 م، ص 28 و 39.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت