الصفحة 9 من 39

الفصل الأول

إشكالية البيئة وأبعاد حلها

المبحث الأول

البيئة في موارد الشريعة:

المطلب الأول

المفهوم الشرعي للإضرار بالبيئة

إلى عهد قريب كان الحديث الديني (الاجتهادي) والأخلاقي والطبي .. عن إفساد الأرض يتناول في كثير من الأوقات إضرارًا محدودًا بالبيئة أو الموارد البيئية، وكان يتم اللجوء إلى مختلف طرق الاجتهاد لاستنباط الحكم الشرعي المتعلق بالنوازل، ومنها ما كان يرتبط بالبيئة من حيث الإضرار الصحي والجمالي بها، والتخريج على مسائل الأئمة من أكثر طرق الاجتهاد شيوعًا عند المتأخرين.

وهذا الحديث الاجتهادي متأثر بالأوضاع التي كانت سائدة إلى وقت قريب.

أما في النص المعجز فكانت نبوءةٌ مبكرة أتى بها النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه تبارك وتعالى، يقول د. أحمد عبد الكريم سلامة [1] : إن الرأي العلمي والقانوني قد استقر على أن التلوث Pollution الذي يهدد البيئة، أو الاستنزاف غير المدروس لمواردها هو الذي تتوفر فيه ثلاثة عناصر:

1 ـ تغيير البيئة، أو الوسط الطبيعي؛ المائي أو الهوائي أو البري [2] .

2 ـ وجود يد خارجية وراء هذا التغيير.

3 ـ إلحاق، أو احتمال إلحاق الضرر بالبيئة ومواردها الطبيعية

ودلل د. سلامة على انطباق قوله تعالى {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} {الروم:41} على الحال التي وصلت إليها بيئتنا حيث إن الفساد قد ظهر وتسبب البشر بقسم كبير فيه ودلت عبارة {ليذيقهم بعض الذي عملوا} على لحوق المعاناة وتذوق الضرر والأذى الذي نتج عن عمل الإنسان، ولما كان البشر ضعفاء لا غنى لهم عما خلق الله في الطبيعة، من نعم وموارد يعيشون عليها .. فقد دعاهم القرآن في نهاية الآية إلى الرجوع عن بغيهم وسعيهم بالفساد في الأرض بقوله {لعلهم يرجعون} .

بيد أن عدم الرجوع يعني الجحود بنعم الله، وعدم معرفة قيمتها ووظائفها التي يُسِّرت لها، وهذا من موجبات عذاب الله والشقاء في الدنيا قال تعالى في حق إحدى الأمم السابقة: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَاتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} {النحل: 112} [3] .""

(1) أستاذ ووكيل كلية الحقوق لشؤون الدراسات العليا والبحوث بجامعة حلوان (القاهرة) ،حائز على الدكتوراه في القانون من جامعة باريس سنة 1402 هـ-1981 م. عن مجلة الأحمدية -دبي العدد الأول ص 267.

(2) يكون هذا كما قال د. عبد العظيم الحمادي، بـ 1 - تغير الظروف الطبيعية (حدوث الكوارث الطبيعية) -2 - إدخال كائن حي في بيئة مستقرة أو القضاء على بعض الكائنات -3 - التدخل غير الحكيم للإنسان في النظم البيئية. عن المنظومة البيئية مرجع سابق ص 35.

(3) سلامة، د. أحمد عبد الكريم مجلة الأحمدية تصدر عن دار البحوث والدراسات الإسلامية -دبي العدد الأول المحرم 1419 هـ بحث بعنوان حماية البيئة في الإسلام ص 384 - 385 بتصرف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت