الصفحة 4 من 39

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، محمد، وعلى آله وصحبه وبعد:

فما من قضية مستجدة في هذا العالم إلا والإسلام سبق أن أرسى قواعدها، ورسم أطرها، وذكر أسبابها وعلاجها نصًّا أو اقتضاءً، وما إن تطرح هذه القضية أو تلك، وعلى أي مستوى في العالم، وإذا بنا نراها بالمنظور الإسلامي، وإن شئت قلت: في الوحي أو معقول الوحي، في نطاق العقيدة أو الشريعة، على حدٍّ سواءٍ.

وفي هذا النطاق يمكن القول أنّ تعاليم الدين الإسلامي في مجملها تحافظ على البيئة من عبث الإنسان أوّلًا؛ فالإنسان من أديمها خلق، ولا يسيء مخلوق سواه إليها ... وكأنّ الملائكة، ومنذ اللحظة الأولى قرأوا في عالم الغيب ما يمكن أن يقوم به الإنسان من الإساءة إلى البيئة مع أنّ الله تعالى خلقه من أديمها، جاء في الذكر الحكيم قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} {البقرة:30} ، ومما يعلمه الله تعالى ولا تعلمه الملائكة أنّه سبحانه استعمر الإنسان في الأرض، قال جل من قائل {هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا .. } {هود:61} ، أي طلب أن تعمروها .. وعمارة الأرض إنما تتم بالغرس والزرع والبناء .. بل إنّ عمارة الأرض تدخل في نطاق الخلافة .. والمعصية كما تكون من الإنسان للخالق تعالى .. تكون أيضًا بالإساءة إلى ما منه خلق، وهو الأرض، وإن شئت قلت: البيئة ..

وكما تكون عبادة الإنسان لربه الالتزام بمقتضى شرعه .. كذلك من أوجه العبادة أن يحسن الإنسان إلى البيئة بعمارتها .. وأن لا يسيء إليها بتدميرها.

وتمكينًا للثقافة البيئية من نفوس المسلمين ذكرها الرسول الكريم - من ضمن منظومة الإيمان حيث قال: (( الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ ) ) [1] .

وبناءً عليه .. فإنّ رعاية البيئة في الإسلام دخلت في منظومتي العقيدة والشريعة، وإن شئت قلت ضمن نطاق التعبُّد لله تعالى، فأيُّ اهتمام أكبر من هذا عنايةً ورعايةً وحمايةً؛ إنّه الإسلام العظيم قال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} {المائدة:3} .

وليس عجبًا أن يولي مجمع الفقه الإسلامي الاهتمام المناسب لقضيّة البيئة وأن يُتيح الفرصة لأهل العلم لتقديم الصورة الإسلامية الشاملة لمفهوم البيئة من منظور إسلاميٍّ ضمن إطار تصوّر المشكلة، ووضع الحلول المناسبة لها.

ومجمع الفقه الإسلامي مشكور حيث وقع اختياره على هذا الموضوع ليعطى حقه من الدراسة والتأصيل.

سائلًا المولى - عز وجل - أن يحالفني الصواب فيما جُمع من شتات هذا الموضوع ضمن الدراسة المقدمة إلى مجمع الفقه الإسلاميّ، والله من وراء القصد.

(1) مسلم، الصحيح، كتاب الإيمان باب شعب الإيمان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت