الصفحة 26 من 39

2 ـ ولا ينبغي أن يردّ حديثًا أو أثرًا تطابق عليه كلام القوم؛ لقاعدة استخرجها هو أو أصحابه كرد حديث المصرّاة وكإسقاط سهم ذوي القربى، فإن رعاية الحديث أوجب من رعاية تلك القاعدة المخرَّجة، وإلى هذا المعنى أشار الشافعي حيث قال: مهما قلتُ من قولٍ، أو أصّلت من أصلٍ؛ فبلغكم عن رسول الله صلى الله عليه و سلم خلاف ما قلت فالقول ما قاله صلى الله عليه و سلم [1] .

ونمثل لذلك بقضايا التلوث من تلوث ضوضائي ومائي (مياه جوفية وسطحية) وجوي (الهواء وطبقات الجو) وتربة (سطحية وعميقة) والغطاء النباتي والحفاظ على التنوع الحيوي لحيوان البيئة المحلية ضمن أعداده التي كانت قبل الكوارث الحديثة.

فنقول إن التلويث الزائد عن قدرة استيعاب البيئة محرم بكل أشكاله؛ لماله من أثر لاحق على البيئة وسكان البيئة، وإن التساهل في هذا يعد تشريعًا للقتل غير الرحيم [2] .

ففي محيطنا القريب بات الموت بالآفات السرطانية والعلل القلبية، والإصابة بأمراض العصر من سكري و ارتفاع الضغط الشرياني، هاجسًا مؤرقًا يهدد زهرة شبابنا، وفي حالات متعددة وجدنا أبناءنا في الثلاثينات وأحيانًا تحت الثلاثينات يعانون هذه الآفات مما سيعني أجيالًا قادمة تحمل المزيد من الأمراض الوراثية المستعصية!

المطلب الثالث

العمل بالمعاهدات والاتفاقيات

حول العمل بالاتفاقيات والمعاهدات التي ترمي إلى حفظ البيئة والحد من التلوث، يقول د. عبد الرحمن ابن فايع:"ويظهر لي ـ والله أعلم ـ أنّ العمل بمثل هذه المعاهدات والاتفاقيات ـ التي أشرف على وضعها خبراء ومختصون في هذا المجال ـ هو من باب الأخذ بالعرف، والعرف معتبر شرعًا بالشروط التي وضعها الفقهاء عند الحديث عن قاعدة (العادة محكمة [3] . [4] "

ونحن نشد على يدهم إذ هذا من قبيل التعاون على البرّ المطلوب بل المأمور به شرعًا؛ شرط الحذر من مكائد الهيئات المسيَّسة من قبل الأنظمة الإمبريالية، ومثل هذا يشهد له قوله تعالى: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8) } {الممتحِنة:8} [5] .

المطلب الرابع

الحل الآني والموضعي لمشاكل البيئة

الإسلام لا يطلب من جهة أجنبية حل مشاكل غيرها، بل لا بد من تخطيط وتنفيذ محلي لمشاكل التلوث واختلال التوازن البيئي.

فالمؤمنون في كل بقعة ينبغي لهم تحمل مسؤولياتهم تجاه البيئة، وبالتالي حسابهم على بيئتهم المحلية دون غيرها، أخذًا من قوله تعالى: {ولا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} {الانعام: 164} وقوله: {وأنْ لَيسِ للإِنْسانِ إلّا ما سَعَى} {النجم: 39} ، وقوله: {ولا تكْسِبُ كلُّ نفسٍ إلّا عَلَيها} {الانعام: 164} ، وبما خرّجه النسائي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( لا يصلي أحد عن أحد ولا يصوم أحد عن أحد ولكن يطعم عنه مكان كل يوم مدا من حنطة ) ).

وفي لبنان تجري أبحاث ودراسات مبدئية، وبرامج وقاية تدعم من قبل وزارة الزراعة، وبعض الندوات تقام في المراكز الصحية التابعة لدار الفتوى.

المطلب الخامس

التخطيط البيئي للمدن (النظم التقليدية للملكية والمرافق) :

يعد الحديث عن التخطيط البيئي للمدينة حديث الساعة وهمَّ العصر إذ يحمل وقاية وعلاجًا مسبقًا للعديد من المشاكل البيئية المستعصية.

وفي دراسة مستفيضة بحث د. جميل عبد القادر أكبر [6] الشروط البيئية والعمرانية السليمة للمدن الحديثة والتقليدية، وبيّن بما لا يدع مجالًا لأي شك أن التشريع الإسلامي المتناول للملكية الفردية والعامة يؤمن أفضل العناية بأعيان البيئة، استدامةً وتنمية، ومثّل لذلك بالمقارنة بين النظم العمرانية التقليدية المستقاة من الإسلام، و النظم الوضعية المتأثرة بالمنجزات الغربية القائمة أساسًا على ميزان الحقوق الوضعي، وجاء بعشرات وقل المئات من الأدلة الواقعية، وقد جاء بحثه الشرعي معتمدًا على كتب الفقه الإسلامي خصوصًا المعني منها بحقوق الارتفاق، والنوازل الناشئة عن اختلاف أنواع النشاط البشري، مثل المعيار المعرب للونشريسي [7] (914 هـ) .

وما قاله د. أكبر قاله من قبل أحد كبار المهندسين الأمريكيين ونشرته مجلة المختار Readers Digest [8] ، وبين فيه أن التخطيط المعاصر للمدينة نشر الفلتان الأمني في الأحياء والمدن نظرًا للفراغ الكبير بين العقارات ومصفات السيارات الواسعة أسفل العمارات، والتي باتت تؤي شريدي العدالة، وتخيف الآمنين حتى بات المرور في تلك الشوارع والأحياء في المساء بعد الإقفال، وعند هدوء الحركة مغامرة مزعجة

(1) الدهلوي، شاه ولي الله، الإنصاف في بيان أسباب الاختلاف، ط 1، 1397 هـ ـ 1977 م، دار النفائس، راجعه وعلق عليه عبد الفتاح أبو غدة، الباب الثالث، أسباب الاختلاف بين أهل الحديث وأصحاب الرأي، ص 63، وللتوسع في الضوابط الفقهية عند ابن نجيم، زين العابدين بن إبراهيم، الأشباه والنظائر ط 1 دار الكتب العلمية 1413 هـ -1993 م و، السبكي، تاج الدين عبد الوهاب بن علي، الأشباه والنظائر، تحقيق عادل عبد الموجود، وعلي محمد عوض، دار الكتب العلمية ط 1، (1411 هـ - 1991 م) ،وابن عبد الهادي، جمال الدين يوسف بن الحسن الحنبلي ت (909) القواعد الكلية والضوابط الفقهية، تحقيق جاسم بن سليمان الدوسري ط 1 دار البشائر الإسلامية بيروت 1415 هـ -1994 م.

(2) للتوسع عند العتيق، د. فؤاد، الله الإنسان والبيئة، ص 197، فما بعدها حيث بين خطورة الانبعاثات الكربونية، وسأل: هل سنحول المحيط إلى بحيرة حامضية؟!

(3) قاعدة العادة محكمة: كتاب القواعد، للحصني، 1/ 357، الأشباه والنظائر، لابن نجيم، 15 و 119، الأشباه والنظائر للسيوطي، 93.

قلت: وهي مستنبطة من أثر ابن مسعود: (( مارآه المسلمون حسنًا، فهو عند الله حسن ) )، أخرجه صاحب: مسند الطيالسي، 1/ 33، رقم 246، مسند أحمد، 1/ 379، رقم 3600، و 6/ 250، رقم 26175، تحفة الطالب، 1/ 455، وقال: هو مأثور عن ابن مسعود بسند جيد، الدراية في تخريج أحاديث الهداية، 2/ 187، رقم 863، وقال: لم أجده مرفوعًا، وأخرجه أحمد موقوفًا على ابن مسعود بإسناد حسن، المقاصد الحسنة، 368، رقم 959، قلت: وعزاه لأحمد في كتاب السنة، وقال: وهم من عزاه للسنة، قلت: بل وهم السخاوي لنه موجود في المسند كما مرّ، وقال: هو موقوف حسن، ومثله تمييز الخبيث من الطيب، 163، رقم 1206، أسنى المطالب، 390، رقم 1258، قلت: ووهم كالسخاوي، كشف الخفاء، 2/ 245، رقم 2214، وقالوا: موقوف حسن.

(4) ابن فايع، د. عبد الرحمن، أحكام البحر في الفقه الإسلامي، ص 426.

(5) للمزيد حول تفسير الآية عند، ابن كثير، أبو الفداء، إسماعيل، تفسير القرآن العظيم، ط 1، 1414 هـ ـ 1994 م، دار الكتب العلمية ـ بيروت 4/ 327.

(6) د. جميل من خريجي (MIT) معهد مساتشوستس في الولايات المتحدة وهو من أصول بخارية كما ذكر عن نفسه في كتابه المذكور.

(7) أكبر، د. جميل عبد القادر، عمارة الأرض في الإسلام نشر مؤسسة الرسالة بيروت -دمشق.

وللتوسع حول المدنية الإسلامية عند السيد، د. رضوان، المدينة والدولة في الإسلام، وجعيط، د. هشام، الكوفة: نشأة المدينة الإسلامية، مراجعة د. رضوان السيد، البحثان منشوران في مجلة الاجتهاد، العدد السابع، السنة الثانية، ربيع 1990 م/1410 هـ تصدر عن دار الاجتهاد ـ بيروت، ص 229 وص 293.

(8) للأسف ليس العدد المشار إليه من مجلة المختار بين يدينا الآن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت