الصفحة 31 من 39

المطلب الثالث

التلوث غير الإشعاعي

تنتشر في البيئة جملة ملوثات خطيرة تهدد بقاء بعض الأنواع، وتحدث تغييرات جينية في بعضها الآخر، مما يؤذن في الغد الآتي بأنماط ضعيفة ومنحدرة من الأنواع التي تستمر في الحياة، فمن ذلك ما ذكره د. سعيد محمد الحفار [1] ":"

المواد الملونة: الصباغات الكيميائية التي تضاف لكثير من أنواع الغذاء والشراب والتي ثبت أنّ كثيرًا منها مسبب للسرطان، لذا يمنع استعمالها في البلدان المتقدمة، مادة تلو الأخرى بعد التأكد من أذاها.

بعض المواد الحافظة: التي تضاف للمعلبات، يضاف إلى ذلك أنّ بعض السموم تنتقل إلى طعام الإنسان من علب الحفظ نفسها، منها:

الكادميوم Cadmium: الذي تستعمل مادته في الطلاء الداخلي للعلب المعدنية، (علب حفظ الحليب المجفف) ، ولكن هذه المادة لا تنتقل إلى جسم الإنسان إلا عند تعرض العلبة إلى الرطوبة أوالحموضة.

المبيدات: كشف المجلس الوطني للبحوث في الولايات المتحدة النقاب عن الويلات الناتجة عن رش 60 ألف طن من المبيدات النباتية الصرفة (بين 1964 م ـ 1971 م) أي بمعدل (26 كيلوغرامًا للهكتار الواحد) كان من بينها: أثرها على الوراثة وولادة أطفال مصابين بتشقق في سقف الحلق وفي الشفاه، بحيث بلغت نسبة التشوه في عام 1969: 112 طفلًا لكل ألف مولود في مشافي سايغون.

ويضيف د. الحفارحول أثر هذه الأنواع من التلوث: وهكذا نرى أنّ السرطان يجد سببًا لوجوده في أفعال كيميائية غير مرغوبة، أو في أفعال كيميائية تترجم آثارها إلى أفعال كيميائية غير مناسبة في البدن؛ تؤدي إلى حدوث تغيير جوهري في البيئة الحيوانية للخلية من حيث نسب الحديد والحموض الأمينية والمستوى الخميري، تكون كلها سببًا في قلب الخلية من خلية سويّة إلى خليّة خبيثة. [2] ""

المطلب الرابع

انتشار التلوث

بسبب حركة الرياح، والتيارات البحرية، وانتقال الأفراد والحيوانات، لا ينحصر نطاق التلوث في بقعة ما، فلا يمكن الحديث عن ضرر محدود في بقعة جغرافية دون الحديث عن أثر عام لهذا التلوّث، يتجاوز حدود البؤرة المعنية.

وعن التلوث الذي يمكن أن يلحق البحار والمحيطات اطلعنا على بحث موسع قام به د. عبد الرحمن بن أحمد ابن فايع، بعنوان"أحكام البحر في الفقه الإسلامي"ناقش فيه مختلف الأنشطة الدينية والعملية والرياضية التي تمارس على البحر أو مخلوقاته من حيتان وأسماك، وتكلم في المبحث الخامس عن الضمان في تلويث البحار وقرر:"إذا تلوّثت البيئة البحرية بفعل أحد؛ فإن الأضرار التي تنتج عن هذا التلوّث لا تقرّ شرعًا، بل يُطلب إزالتها بقدر الإمكان؛ عملًا بقوله: )) لا ضرر ولا ضرار [3] ."

(1) أستاذ في جامعتي دمشق وقطر، عضو الجمعية السورية لمكافحة السرطان، خبير البيئة في اليونسكو.

(2) الحفار، د. سعيد محمد، علم السرطان البيئي، ص 71 ـ 72.

(3) أخرجه صاحب: موطأ مالك، 2/ 745، رقم 1429، يحيى المازني، مسند الشافعي، 1/ 224، مسند أحمد، 1/ 313، رقم 2867، عن ابن عباس، و 5/ 326، رقم 22830، عن ابن الصامت، ورقم 2341، عن ابن عباس، المراسيل لأبي داود، 207، رقم 2، قلت: عن واسع بن حبان، بلفظ: لاضرر في الإسلام، الآحاد والمثاني، 4/ 215، رقم 2200، عن ثعلبة بن أبي مالك، المعجم الكبير، 2/ 86، رقم، 1387، و 11/ 228 رقم 11576 و 11806، المعجم الأوسط، 1/ 90، رقم 268، عن عائشة، قلت: بلفظ )) لا ضرر ولا إضرار (( ، و 307، رقم 103، سنن الدارقطني، 3/ 77، رقم 288، عن الخدري، و 4/ 227، رقم 82، المستدرك، 2/ 66، رقم 2345، وقال عقبه: حديث صحيح الإسناد على شرط مسلم، ولم يخرجاه .. ، نصب الراية، 4/ 384 ـ 386، رقم 7970 ـ 7980، قلت: جمع مرويات من سبقه، فيض القدير، 6/ 268 و 432، قلت: وعزاه لمن سبق، وقال نقلًا عن العلائي: للحديث شواهد ينتهي مجموعها إلى درجة الصحة، أو الحسن المحتج به، صحيح سنن ابن ماجه، 2/ 39، رقم 1895/ 2340، قلت: وقال: صحيح عن ابن الصامت، ورقم 1896/ 2341، وقال: صحيح بما قبله عن ابن عباس، سلسلة الأحاديث الصحيحة، 1/ 443 ـ 448، قلت: وقال كما مر معي: حديث صحيح ورد مرسلًا، وروي موصولًا عن أبي سعيد، وابن عباس، وعبادة، وعائشة، وأبي هريرة، وجابر، وثعلبة.

قلت: ورد الحديث بألفاظ متعددة كالآتي: (( لاضرر ولا إضرار ) (( لاضرر في الإسلام ولا إضرار ) (( قضى رسول الله أن لا ضرر ولا ضرورة ) (( لاضرر ولا ضرار ) ).

وعن لفظة (الضرر) و (الضرار) ، قال ابن عبد البر في التمهيد، 20/ 158: إنهما لفظتان بمعنى واحد، وقال ابن حبيب: (الضرر) عند أهل العربية: الاسم، و (الضرار) : الفعل، وقال عن معناهما: (لاضرر) : لا يدخل على أحد ضرر لم يدخله على نفسه، و (لاضرار) : لا يضارّ أحد بأحد، وقال الخشني: (الضرر) الذي لك به منفعة، وعلى جارك فيه المضرة، و (الضرار) :الذي ليس لك فيه منفعة، وعلى جارك فيه المضرة. قال عقبه ابن عبد البر: وهذا وجه حسن المعنى في الحديث.

والمهم: أنّ الحديث هو من أهم القواعد وأشملها فروعًا، ولها تطبيقات واسعة في الفقه، وهي الأساس لمنع الفعل الضار، كما قال الندوي في القواعد الفقهية، 242.

ومن هذا الحديث استنبط العلماء قاعدة: (( الضرر يزال ) ).كتاب القواعد لحصني، 1/ 333، الأشباه والنظائر، لابن نجيم،85، الأشباه والنظائر، 15 و 112.

والأهم أن الفقه كله يرجع إلى اعتبار المصالح ودرء المفاسد ـ تلويث البيئة ـ بل قد يرجع الكل إلى اعتبار المصالح، فإن درء المفاسد من جملتها، كما قال ابن عبد السلام في قواعد الأحكام، 5 ـ 10، وعزا إليه السيوطي في أشباهه،15.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت