الصفحة 28 من 39

لقد أدى الاستيراد المبتور لوسائل الإنتاج إضافة إلى أن الإنتاج في البلدان النامية في كثير من أجزائه هو خدمة للمجتمعات الغربية بطريق التصدير أو الاستهلاك، إلى العمل بظروف مأساوية بالنسبة للعمالة أو البيئة.

والحكم الشرعي يتجاوز جدران المساجد ويخترق المزارع والمعامل، وفي مسعى لضبط عمليات الإنتاج في الصناعة والتجارة تقوم هيئات علمية مشكورة بدعم البحث الشرعي في تلك الوسائل لتكييفها شرعًا.

إلا أن المجال لم يزل رحبًا للبحث والعمل، ففروع الصناعة الحديثة لم يتم استيعابها بعد في الذاكرة الفقهية للأمة الإسلامية نتيجة تقلص سلطان الشريعة في كثير من بقاع الأرض مما خلف فراغًا تشريعيًا في التكييف لأدوات الإنتاج وقوانين العمل و ناتج هذه الصناعات من سلع و مخلفات.

إن دراسات شرعية يجب أن تتم بشكل اختصاصي لكل فرع من فروع الزراعة والصناعة كل على حدة، وعلى الهيئات العاملة في هذه المجالات دعم وتمويل البحث الشرعي، لأنه ثبت بشكل قاطع في النصوص السمعية والتجربة التاريخية؛ أنّ الأنظمة المستظلَّة بالشريعة الإسلامية هي الأقدر على الاستمرار، والتجدد.

لقد برهن فقهاؤنا القدماء على رؤية بيئية ناصعة مستقاة من الشريعة الإسلامية تراعي أحكام الشرع ومقاصده، مما جعل من البلاد المحكومة بالإسلام أفضل بلاد الدنيا وأجملها، ويقول المؤرخون: إنه في الوقت الذي كانت المرأة الإنجليزية: (لعلها في العصر الفيكتوري) ترمي الفضلات السائلة (البول) من شباك بيتها إلى الشارع؛ كانت المدن الإسلامية في شرق إفريقية فضلًا عن حواضر الإسلام تتمتع بشبكة تصريف صحي.

من ذلك قول ابن الديبع الشيباني (994 هـ) :"منكرات الشوارع:"

كوضع الأسطوانات، والدكات، وإخراج الروشن والأجنحة، وربط الدواب على الطريق، وسوقها مع الشوك أو الحطب بحيث يمزّق ثياب الناس، وطرح القمامة على الطريق، ورشّ الماء بحيث يخاف منه التزلّق، وإرسال الماء من الميازيب في الطريق الضيقة طالقًا الثلج والماء المجتمع في الطريق، ولو كان له كلب عقور على باب داره وجب منعه. [1] ""

إنّ الدمج بين العصور الإسلامية، وصبغ التاريخ الإسلامي بصبغة العلمانيين الذين سيطروا على مقاليد الحكم في العصر الحديث؛ في مختلف بلاد الإسلام فأفسدوا البنية التقليدية، وانتقوا أفسد ما في الحضارة الغربية، دون مبالاة بتأخر بلادهم أو تجييرها لصالح الأعداء، نقول: إن هذا الدمج لن يفيد بشيء لأن صورة الإسلام الناصعة لا تزال ماثلة في يقين وقلب الأمة.

وفي بحوث مطولة في كتب الأحكام السلطانية وكتب أحكام الحسبة بيّن الفقهاء بالتفصيل واجبات الحاكم تجاه الإنسان والبيئة، مما يشكل أرضية جاهزة في العديد من القضيا الجزئية التي لا يزال معمولًا بها في عصرنا، ولكن لا ينبغي قياس القضايا الكبرى والخطيرة على تلك الأحكام بطرق تخريج المناط وغيره من طرق الاستنباط لأنه سيعطي لما يتفاحش ضرره أحكام ما ضرره بسيط، ولوكان معتبرًا!

فالقضايا الكبرى التي تمس أمن الوجود البشري تستحق إعمال آلة الاجتهاد المعاصر لحصر الضرر والوقاية منه ولو بعد حين.

(1) ابن الديبع الشيباني، وجيه الدين، عبد الرحمن بن علي (866 ـ 944 هـ ـ 1461 ـ 1537 م) كتاب بغية الإربة، في معرفة أحكام الحسبة، دراسة وتحقيق د. طلال بن جميل الرفاعي، ط 1، 1423 هـ ـ 2002 م، جامعة أم القرىـ مكة المكرمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت