يجب أن لا تغيب عنا، وكونها الأصل في مفهوم المحافظة على الكون بما فيه من موارد وخيرات، فهي ليست ملكًا لجماعة دون أخرى، أو لشعب دون آخر، أو لجيل دون جيل، فحق الإنسان عبر الزمان والمكان قائم فيها، فإذا قام الإنسان بأداء الأمانة وفق المنهج المرسوم، تسلمت الأجيال المتعاقبة ما سخره لها - الكون - صالحًا كما استلمته من قبل صالحًا، قال تعالى: {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُمْ مِنْ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ} [1] ، وقال - تعالى: {وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنْ الْمُحْسِنِينَ} [2] ، والفساد نقيض الإصلاح، وهو خلل يصيب الشيء فيخرج به عن وظيفته الأصلية فهو ضرب من ضروب التغيير والتبديل، قال - تعالى: {سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءتهُ فَإِنَّ اللَّهَ شدِيدُ الْعِقَاب} [3] ، فكل تغيير وتبديل يقع من الإنسان، ويخرج بالشيء عن وظيفته التي خلق من أجلها، يُعتبر فسادًا، لأنه يُفوت المصلحة المبتغاة من ذلك الشيء، ويفضي إلى انعدام التوازن: بيئيًا، أو نفسيًا، أو اجتماعيًا، أو اقتصاديًا، بحسب نوع الفساد أو التغيير. [4]
نخلص مما سبق إلى أن نظرة الإسلام إلي البيئة تتمثل في بعض الحقائق الهامة، ومنها: ـ
1 ـ أن الشريعة الإسلامية وضعت تصورًا شاملًا للبيئة شمل الإنسان والحيوان والنبات والجماد والماء والهواء، وجعلت الإنسان مكرمًا على سائر المخلوقات وسخرتها له، انطلاقًا من قاعدة الاستخلاف.
2 ـ لقد نظر الدين الإسلامي إلى البيئة من خلال استخلاف الإنسان في عمارة البيئة والكون؛ لأنه اعتراف بحق الإنسان في البيئة ومواردها.
3 ـ لقد أرست الشريعة الإسلامية مبدأ سد الذرائع إلي الفساد أيًا كان نوعه تقييدًا للتعامل مع البيئة بما يدرأ عنها المفسدة إبان التصرف السئ في المباحات أو الحقوق، فضلًا عن المجاوزة والعدوان، وهو مبدأ عظيم الأثر في توثيق مصالح الأمة ماديًا ومعنويًا بما يشمل موارد البيئة الطبيعية، فيندرج تحت مضمون هذا المفهوم الحفاظ علي البيئة.
4 ـ إن الفقه الإسلامي تناول بالتنظيم والتأصيل، عقودًا مهمة، تتصل باستثمار الأرض مثل: عقد السلم والمزارعة والمساقاة وإحياء الأرض الموات مما يعتبر دليلًا بينًا علي أن الإسلام قد أولي عناية لهذه الموارد الطبيعية ليجعل من الأرض جنة الدنيا زراعة وغرسًا وعمارة.
5 ـ إن مفهوم الحماية في الشريعة الإسلامية واسع جدًا، يشمل: الإقامة والإيجاد للموارد، إن لم يكن قائمًا، وتثبيت قواعده، أو استثماره بأنجح السبل ليؤتي منافعه، كما يشمل التنمية، والتي من مفهومها التطوير إلى الأفضل، فضلًا عن شمولها
(1) الآية"61"من سورة هود.
(2) الآية"56"من سورة الأعراف.
(3) الآية"211"من سورة البقرة.
(4) الإسلام والبيئة / محمد مرسي محمد مرسي صـ 43 وما بعدها، مطبوعات أكاديمية نايف العربية للعلوم الأمنية، الطبعة الأولى 1420 هـ 1999 م، أحكام البيئة في الفقه الإسلامي للدكتور / عبد الله بن عمر بن محمد السحيباني صـ 43، 44 طبعة دار ابن الجوزي، الإسلام والبيئة / د/ عبد الرحمن جيرة صـ 42 طبعة دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة، الطبعة الأولى 1420 هـ 2000 م، قضايا البيئة من منظور إسلامي د/ أحمد عبد الرحيم السايح، د/ أحمد عبده عوض صـ 39 وما بعدها، الإسلام والبيئة، رؤية إسلامية حضارية للدكتور / بركات محمد مراد صـ 24، 25.