وقد زاد جماعة من فقهاء الحنفية في ذلك شرطًا وهو أن يكون الماء باقيًا على رقَّته، أما إذا غلب عليه غيره وصار ثخينًا، فإنه لا تجوز الطهارة به. [1]
الصورة الثالثة:
أن يتلوث ماء البحر وتتغير صفاته أو بعضها بما يوافق الماء في صفة الطهارة والتطهير وهو التراب، وحكم الماء في هذه الصورة البقاء على طهوريته، ولا اعتبار لهذا التغيّر؛ لأن التراب طاهر مطهّر كالماء. [2]
إن حماية الهواء من الملوثات - من وجهة النظر الإسلامية - يعد فرض عين على كل مسلم ومسلمة؛ لما فيه من المحافظة علي مقاصد الشريعة الإسلامية وهي حفظ الدين والنفس والعقل والمال والنسل.
وأول ملوثات البيئة الهوائية التقليدية هي الحرائق، وذلك لما تحدثه من أضرار مادية وصحية علي الإنسان. إذ تنطلق من النار في أثناء اشتعالها غازات وأكاسيد النيتروجين السامة. [3]
لهذا فإن تلويث الهواء بأي نوع من الملوثات الضارة بالبيئة والإنسان محرم شرعًا لما يأتي:
1 لأنه خروج عن سنن الله الكونية، وإفساد في الأرض بعد إصلاحها، يقول تعالى: {وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا} [4] ، ويقول: {وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} [5] . ويلزم الجهة التي قامت بالتلويث تعويض ذلك الضرر، وضمان المتلفات من الأنفس والأموال التي كان ذلك التلوث سببًا في إتلافها، وعلى الحاكم تطبيق العقوبات الرادعة على محدثي التلوث. [6]
وقد ذكر فقهاء الشافعية أن إزالة الضرر عن هواء شوارع المسلمين مفوض للحاكم، قالوا:"لأن الهواء لكافة المسلمين؛ فوجب تفويض أمره إلى نائبهم، وهو الحاكم لإزالة الضرر عنهم" [7] .
2 ـ قوله:"خمّروا الآنية، وأوكئوا الأسقية، وأحيفوا الأبواب، واكفئوا صبيانكم عند المساء، فإن للجن انتشارًا وخطفة، وأطفئوا المصابيح عند الرقاد، فإن الفويسقة ربما اجترّت الفتيلة، فأحرقت البيت" [8] .
وجه الاستدلال من الحديث:
أن قوله:"وأوكئوا الأسقية"فيه دلالة على التحذير من التلوث الموجود في الهواء؛ لأن معناه: شدّوا رؤوسها بالوكاء لئلا يدخلها حيوان، أو يسقط فيها شئ،
(1) فتح القدير 1/ 77، مجمع الأنهر 1/ 27.
(2) بدائع الصنائع 1/ 15، مجمع الأنهر 1/ 27، الذخيرة 1/ 170، مواهب الجليل 1/ 57، المجموع 1/ 151، المغني 1/ 23، الإنصاف 1/ 24.
(3) الإسلام والبيئة د/ إبراهيم علي حسن صـ 119.
(4) الآية"56، 85"من سورة الأعراف.
(5) الآية"77"من سورة القصص.
(6) أحكام البيئة في الفقه الإسلامي صـ 295.
(7) تحفة المحتاج في شرح المنهاج لابن حجر الهيتمي 5/ 199 طبعة دار إحياء التراث العربي.
(8) أخرجه الإمام البخاري في صحيحه 3/ 1205، كتاب بدء الخلق، باب خمس من الدواب فواسق يقتلن في الحرم، الحديث رقم: (3138) .