[1] وذلك لحماية الماء من الملوثات التي قد تنتقل إليه من الهواء أو من الحشرات الناقلة للجراثيم والطفيليات كالصراصير والفئران والنمل والبعوض.
وكان - يعتني بهذا الأمر ويخشى كذلك من انتقال الملوثات والجراثيم مفسدة هذا الهواء النقي، حتى قرر مبدأ الحجر الصحي، وهو يعتبر من أهم وسائل مقاومة انتشار الأمراض الوبائية. وقد وضع النبي - علاجًا وقائيًا يبين لنا كيفية مواجهة التلوث من خلال معالجته لنوع من أنواع التلوث الوبائي [2] .
فقد أورد الحافظ ابن حجر في كتابه"بذل الماعون في فضل الطاعون"أحاديث كثيرة بروايات وألفاظ متعددة، من جملتها الحديث عن كيفية مواجهة هذا الوباء [3] ، فقال: أخرج مالك والشيخان أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - خرج إلى الشام، فلما جاء سرغًا، بلغه أن الوباء قد وقع بالشام، فأخبره عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله - قال:"إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارًا منه، فرجع عمر من سرغ [4] [5] ."
وجه الاستدلال من الحديث:
يظهر بجلاء أن الأحاديث النبوية قد حددت مبادئ الحجر الصحي كأوضح ما يكون التحديد، فهي تمنع الناس من الدخول إلى البلدة المصابة بالطاعون مثلًا، كما أنها تمنع أهل تلك البلدة من الخروج منها. [6]
وقد وقف فقهاء المسلمين القدامى من موضوع تلوث الهواء موقفًا طيبًا يدل على وعي كبير بأهمية المحافظة على الهواء من الملوثات المختلفة التي تؤثر في صحة الإنسان، وتتسبب في هلاك الزرع والنسل.
وسوف نكتفي هنا بعرض موقف الفقهاء من قضية تلوث الهواء بالأدخنة والروائح للتدليل على صحة رأينا الخاص بوعيهم البيئي.
أ: موقف الفقهاء من التلوث بالدخان:
اعتبر فقهاء المسلمين الدخان بكل أنواعه مضرًا، فقد جاء في وصفه في القرآن الكريم بأنه (عذاب أليم) ، وذلك في قول الحق عز وجل: {فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَاتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ *يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ} [7] ، ويخضع الحكم على مدى الضرر الناتج من التلوث بالدخان إلى مصدره، والفقهاء من أتباع الإمام مالك يصنفون الضرر إلى صنفين: ضرر قائم، وضرر مستجد [8] .
(1) النهاية في غريب الحديث 5/ 193"وكا"، معجم مقاييس اللغة 6/ 137"وكا".
(2) حماية البيئة والموارد، د/ الحمودي صـ 77.
(3) بذل الماعون في فضل الطاعون لابن حجر صـ 247.
(4) سرغ: أول الحجاز وآخر الشام، بين المغيثة وتبوك من منازل حاج الشام، بينها وبين المدينة ثلاث عشرة مرحلة [معجم البلدان لياقوت الحموي 3/ 239]
(5) متفق عليه (صحيح البخارى 6/ 2557، كتاب الحيل، باب ما يكره من الاحتيال في الفرار من الطاعون، الحديث رقم:(6572) ، وصحيح مسلم 4/ 1742، كتاب السلام، باب الطاعون والطيرة، والكهانة ونحوها، الحديث رقم: (2219) .
(6) العدوى بين الطب وحديث المصطفى د/ محمد على البار صـ 100 طبعة الدار السعودية للنشر والتوزيع، الطبعة الخامسة 1405 هـ.
(7) الآيتان"10، 11"من سورة الدخان.
(8) القوانين الفقهية لابن جزي 1/ 224 وجاء فيه"من أحدث ضررا أمر بقطعه ولا ضرر ولا ضرار وينقسم الضرر المحدث قسمين أحدهما متفق عليه والآخر مختلف فيه فالمتفق عليه أنواع فمنه فتح كوة أو طاق يكشف منها على جاره فيؤمؤ بسدها أو سترها ومنه أن يبني في داره فرنا أو حماما أو كير حداد أو صائغ مما يضر بجاره دخانه فيمنع منه إلا إن احتال في إزالة الدخان ومنه أن يصرف ماءه على دار جاره أو على سقفه أو يجري في داره ماء فيضر بحيطان جاره وأما المختلف فيه فمثل أن يعلي بنيانا يمنع جاره الضوء والشمس فالمشهور أنه لا يمنع منه وقيل يمنع .."